نحو نهج تربوي جديد في تعليم الرياضيات لإعداد جيل رقمي مبتكر


هذا الخبر بعنوان "نحو نهجٍ جديدٍ في تعليم الرياضيات" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 سبتمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تماشياً مع المسعى المبارك لافتتاحِ شعبةٍ جديدةٍ للمعلوماتيّةِ في التعليمِ الثانويِّ ابتداءً من الموسمِ الدراسيِّ 2028/2027، كخطوةٍ طموحةٍ نحوَ تطويرِ المنظومةِ التربويّةِ ورفعِ مستوى التحصيلِ العلميِّ وإعدادِ جيلٍ قادرٍ على مواجهةِ تحدّياتِ العصرِ ومتطلّباتِه، فإنَّ هذا التوجّهَ نحوَ تأهيلِ «المواطنِ الرقميِّ» لَيستحقُّ كلَّ تقديرٍ واعتزازٍ. غيرَ أنَّ المتأمِّلَ لواقعِ تعليمِنا — وخصوصاً في مادّةِ الرياضياتِ والتي هي لغةُ المعلوماتيّةِ وأساسُها المتينُ الذي لا بديلَ عنه — يلمسُ فجوةً عميقةً بين ما نَطمَحُ إليه في المستوى الثانويِّ وما نُقدّمُه فعلاً في الفصولِ الدراسيّةِ، خاصةً منذُ السنةِ الأولى ابتدائي.
وهذه الفجوةُ ليستْ ناتجةً عن نقصٍ في الجهدِ أو قلّةٍ في الوسائلِ بقدرِ ما هي ناتجةٌ عن تقديمِ المفهومِ مقلوباً، وتأخيرِ الحقائقِ الأساسيّةِ إلى حينٍ لا ينبغي تأخيرُها إليه أبداً. وإنّني أرى من واجبي أن أتكلَّمَ بكلِّ تواضعٍ وأمانةٍ وصدقٍ، بصفتي متخصص في مجالِ المعلوماتيّةِ، وأيضا مَنْ قدَّمَ جزءاً من الحلِّ المتواضعَ في كتابي «مدخل إلى الأرقام والأعداد» — ذلك الكتيّبُ الصغيرُ الذي لا يتجاوزُ اثنتي عشرةَ صفحةً، والذى أُلِّفَ ليكونَ في متناولِ تلاميذِ السنةِ الأولى ابتدائيّ.
أزمةُ البدايةِ: حينَ نُعلّمُ الشكلَ وننسى المفهومَ
إنَّ أوَّلَ وأخطرَ ما نُعانِيه في تعليمِنا الحاليِّ في المراحل الابتدائية، أنَّنا نبدأُ الطريقَ بخطوةٍ خاطئةٍ منذُ اللحظةِ الأولى. حينَ يدخلُ الطفلُ القاعةَ الأوّلَ، نقولُ له: «هذا الرقمُ واحدٌ.. اكتبْه واحفظْ شكلَه». ثمَّ: «هذا الرقمُ اثنان.. اكتبْه واحفظْ شكلَه». وهكذا. ولا نقولُ له: «ما معنى هذا الرقمِ؟ ولماذا شكلُهُ هكذا؟ وأينَ مكانُهُ من غيرِه؟». وهكذا نُرسّخُ في ذهنِ الطفلِ منذُ البدايةِ أنَّ الرياضياتَ ليستْ منطقاً مفهوماً بل رموزاً تُحفَظُ حفظاً لا معنى له.
ولمّا كانَ الأساسُ مُعوَّجاً فلا رجاءَ في بناءٍ يُقامُ عليه. فما زالَ التلميذُ يدرسُ تسعة سنواتٍ وأكثرَ ولا يُدركُ الفرقَ الجوهريَّ بين «الرقمِ» و«العددِ»؛ ذلك الفرقُ البسيطُ العميقُ الذي بيَّنتُهُ في كتابي: أنَّ الأرقامَ هي عشرةُ رموزٍ فقط — وهي حروفُ لغةِ الرياضياتِ — وأنَّ الأعدادَ كلَّها تُبنى وتُركَّبُ من هذه العشرةِ الرموزِ دونَ حاجةٍ إلى ابتكارِ شيءٍ جديدٍ.
ومن أخطرِ ما نُؤخّرُهُ أيضاً ذلكَ الفرقُ الذي لا يُذكَرُ غالباً بين «الصفرِ» و«اللا شيءِ». فالصفرُ ليسَ العدمَ كما نُوهِمُ أطفالَنا، بل هو قيمةٌ عدديّةٌ لها وجودُها ومكانُها ووظيفتُها: هو المكانُ الموجودُ الذي لا قيمةَ فيه. أمّا «اللا شيءُ» فهو غيابُ المكانِ والقيمةِ معاً. هذا الفرقُ البسيطُ إذا فهمَهُ الطفلُ في السنةِ الأولى ابتدائيّ، فهِمَ أساسَ نظامِ الأعدادِ كلِّهِ.
لماذا هذا النهجُ هو الطريقُ إلى المستقبلِ؟
بصفتي متخصصا في مجالِ المعلوماتيّةِ، فإنَّني أرى أبعدَ من مجرَّدِ تعليمِ الأرقامِ. ذلك أنَّ المنطقَ الذي أسَّسَهُ الخوارزميُّ قبلَ 1200 سنةٍ — رموزٌ محدودةٌ، والموضعُ يُغيّرُ القيمةَ، والصفرُ يُثبّتُ المكانَ — هو نفسُهُ منطقُ الحواسيبِ والبرمجيّاتِ والذكاءِ الاصطناعيِّ الذي يُسيّرُ العالمَ اليومَ. إنَّ الذين يظنُّونَ أنَّ لغةَ الذكاءِ الاصطناعيِّ هي الإنجليزيّةُ مخطئونَ وإن كثُروا، فالإنجليزيّةُ ليستْ سوى لغةٍ وسيطةٍ نكتبُ بها الأوامرَ، أمّا لغةُ الآلةِ الحقيقيّةُ التي بها تُفكّرُ وتُحسِبُ فهي الرياضياتُ — منطقُ الرموزِ والمنازلِ والقيمِ الذي وضعَ أسُسَهُ الخوارزميُّ.
نداءٌ إلى وزارةِ التربيةِ الوطنيةِ: نحوَ ثورةٍ في البدايةِ
لهذا فإنَّني أتوجَّهُ القائمين على وزارة التربية بكلِّ تقديرٍ وأقولُ: إنَّ ثورتَنا الحقيقيّةَ لا تكونُ باستيرادِ التقنيّاتِ والمخابر والحواسيب، ولا ببناءِ المبانيِ وحدَها، بل تكونُ بتصويبِ الفكرِ منذُ البدايةِ. إنَّ الحلَّ ليسَ بعيداً ولا مكلفاً ولا غريباً عنّا، بل هو موجودٌ بينَ أيدينا في تراثِنا والبداية في هذا الكتابِ الصغيرِ الذي قدَّمتُهُ وهو مدخل الى الأرقام والأعداد وهو مجاني.
تكنولوجيا
تكنولوجيا
تكنولوجيا
تكنولوجيا