لماذا تظل قضية الصحراء الغربية بعيدة عن الحل النهائي في أكتوبر 2026؟


هذا الخبر بعنوان "لماذا يستحيل إنهاء النزاع الصحراوي في جلسة أكتوبر 2026؟" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 12 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتجه أنظار المتابعين للشأن المغاربي والدولي صوب مقر الأمم المتحدة بنيويورك في شهر أكتوبر من كل عام، حيث يعقد مجلس الأمن الدولي جلسته السنوية المخصصة للاستماع إلى إحاطة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية، واستعراض تقرير بعثة المراقبة، وصولاً إلى التصويت على قرار سنوي يحدد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو). ومع اقتراب نهاية أكتوبر من هذا العام، تتجدد الحملات الإعلامية التابعة للنظام الملكي المغربي، والتي تروج لانتهاء النزاع القائم منذ عقود، وأن الجلسة المرتقبة ستمثل القضاء النهائي على الملف وتثبيت مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مستندة في ذلك إلى اختراقات دبلوماسية وتفاهمات ثنائية مع قوى دولية وإقليمية. إلا أن قراءة موضوعية لآليات العمل الدبلوماسي والواقع القانوني والجيوسياسي المعقد للمنطقة، تكشف حقيقة مغايرة؛ فالإعلام المغربي يقدم استعراضاً سياسياً وتعبئة موجهة للاستهلاك الداخلي تصطدم بجدار من الحقائق الصلبة التي تجعل من الحل النهائي في نهاية الشهر أمراً غير ممكن عملياً ودبلوماسياً.
أولاً: الطبيعة الإجرائية لقرارات أكتوبر.. تمديد تقني لا حسم سياسي
لفهم حدود ما يمكن أن تسفر عنه جلسة نهاية أكتوبر 2026، يجب الابتعاد عن التحليل العاطفي والعودة إلى تقاليد عمل مجلس الأمن الدولي. فالمجلس، عند تعامله مع الملفات المدرجة تحت الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، يشتغل بآليات تدريجية تعتمد التوافق والدبلوماسية المائعة، ولا يفرض تسويات قسرية. المخرجات المرتقبة لقرار مجلس الأمن نهاية هذا الشهر تنحصر في أربعة أهداف إجرائية وميدانية رئيسية: أولها التمديد التقني لبعثة المينورسو لعام إضافي، بهدف إبقاء آليات المراقبة والرصد قائمة وتفادي أي فراغ أمني. ثانيها الحفاظ على العملية السياسية عبر تجديد الدعوة للأطراف المعنية للعودة إلى طاولة المفاوضات بحسن نية والانخراط مع المبعوث الأممي. الهدف الثالث هو التأكيد المتكرر على المرجعية الأممية، من خلال التذكير بضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الطرفين يكفل لشعب الصحراء الغربية حق تقرير المصير. وأخيراً، يهدف القرار إلى موازنة المواقف بين القوى الكبرى ومنع انزلاق الملف نحو مواجهة دبلوماسية داخل مجلس الأمن. وبالتالي، فإن تصوير جلسة نهاية أكتوبر 2026 على أنها محكمة أممية ستسقط خيارات وتثبت أخرى ينم عن تجاهل تام لطبيعة القرارات الأممية وتوازنات الدول الخمس دائمة العضوية.
ثانياً: تفكيك ادعاءات الإعلام المغربي وبنيتها الحجاجية
يبني الخطاب الرسمي والإعلامي للمملكة المغربية أطروحته حول الحسم الوشيك استناداً إلى مكاسب دبلوماسية ثنائية، مثل موقف الاعتراف الأمريكي أو تغيير الموقف الفرنسي نحو دعم مقترح الحكم الذاتي. إلا أن هذا الطرح يحمل تناقضات بنيوية عميقة. أول هذه التناقضات هو الخلط بين العلاقات الثنائية والشرعية الدولية؛ فتفاهمات الرباط مع واشنطن أو باريس لا تملك السلطة القانونية لتغيير الوضع القانوني للإقليم داخل المنظومة الأممية. فالصحراء الغربية تظل، وفقاً لقرارات الأمم المتحدة، إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي، ولا يمكن تغيير هذا المركز القانوني إلا بآلية أممية ترتكز على إرادة سكان الإقليم عبر آلية تقرير المصير. التناقض الثاني يتعلق بحالة الانقسام والاستقطاب العميق داخل مجلس الأمن الدولي؛ فقوى دولية تمتلك حق الفيتو مثل روسيا والصين ترفض الانسياق خلف المقاربات الأحادية الجانب. وغالباً ما تُترجم هذه التباينات في امتناع دولة أو أكثر عن التصويت، مما يمنع صدور أي قرار يحمل صبغة الإلزام الحاسم لصالح طرف دون آخر.
ثالثاً: عقدة السيادة الفنية وإعادة قراءة الملف الجغرافي والبحري
مما يزيد من استبعاد حسم النزاع نهاية هذا الشهر، وجود استحقاقات قانونية وفنية وإقليمية شائكة تتعدى التصريحات السياسية، وتبرز بشكل جلي عند الوقوف عند الدور الإسباني والأوضاع الحدودية للمنطقة. الملف الأول والأكثر تعقيداً هو ملكية وتدبير المجال الجوي؛ حيث تواصل إسبانيا، عبر شركتها الوطنية للملاحة الجوية ومركز المراقبة الجوية في جزر الكناري، إدارة والسيطرة على المجال الجوي للصحراء الغربية بتفويض دولي. وأي تحول فعلي يستوجب تعديلات شائكة في الاتفاقيات الدولية، ما يجعل إسبانيا متمسكة بورقة السيادة الفنية على الأجواء. الملف الثاني يرتبط بترسيم الحدود البحرية واستغلال الموارد الطبيعية؛ فالملاحة البحرية قبالة سواحل الصحراء وجزر الكناري خط أحمر استراتيجي لدى إسبانيا والاتحاد الأوروبي. فالتداخل البحري والمخاوف الإسبانية من الاستغلال الأحادي للثروات الباطنية والبحرية تجعل مدريد تفرض قيوداً وتوازنات حذرة. الملف الثالث هو ورقة الضغط بالهجرة والأزمات الحدودية المتكررة؛ فقد شهدت المحطات الحدودية في سبتة ومليلية وجزر الكناري هزات ديموغرافية وأمنية متلاحقة، تجلت في تدفقات واسعة من المهاجرين. هذه الضغوط الحدودية المستمرة بين المغرب وإسبانيا تكشف عن هشاشة العلاقات ووجود حالة عميقة من عدم الثقة، وتجعل أمن الحدود الأوروبية الجنوبية مرتبطاً ببقاء الملف الصحراوي في مساره الدبلوماسي الحذر.
رابعاً: الاختناق الجيوسياسي والاحتقان الداخلي
لا تقتصر العوائق التي تمنع الحسم على البعد الخارجي والأممي، بل تمتد إلى البيئة الجيوسياسية الإقليمية والاحتقانات الداخلية. فمن جهة الشرق، توجد قطيعة دبلوماسية تامة وإغلاق كامل للحدود مع الجزائر. ومن جهة الشمال، تقف حدود مشدودة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي. أما جنوباً فهناك حرب مع الصحراء الغربية ووضع غير مستقر مع موريتانيا وفي معبر الكركرات، في ظل اللااستقرار الأمني الممتد عبر دول الساحل والصحراء. يضاف إلى هذا الانسداد الخارجي احتقان داخلي متزايد ينبع من الفجوة الحاصلة بين التوجه الرسمي ودعم الرعايا للقضايا العادلة، مثل القضية الفلسطينية. فالاندفاع الرسمي نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني أثار حفيظة الشارع المغربي وأحدث شرخاً واسعاً، خاصة في القطاع الزراعي عبر الاعتماد على التكنولوجيا المستوردة من الكيان الصهيوني، مما أثقل كاهل الفلاح المحلي وأثار مخاوف مساس بالأمن الغذائي والمائي. هذا الشرخ الداخلي يجعلان الجبهة الداخلية أقل تماسكاً وأقل قدرة على تحمل تبعات مفاوضات أو تسويات قسرية.
خامساً: التناقض بين التسويق الإعلامي والمخرجات الأممية
عند مقارنة ما يطرحه الخطاب الإعلامي المغربي بما ستسفر عنه المخرجات الدبلوماسية في نيويورك، يظهر حجم التباين العميق بين الرغبات السياسية والواقع القانوني. يسوق الإعلام المغربي لفكرة أن جلسة أكتوبر 2026 ستشهد إعلان انتهاء النزاع وتكريس مقترح الحكم الذاتي بشكل حصري، بينما تشير كل المعطيات الأممية إلى أن القرار لن يتعدى التمديد التقني لولاية بعثة المينورسو دون تغيير جوهري. كما يفترض الخطاب الرسمي إمكانية إلغاء المركز القانوني للإقليم وفرض السيادة المغربية النهائية، في حين تواصل أدبيات مجلس الأمن التأكيد على أن الصحراء الغربية تظل إقليماً غير متمتع بالحكم الذاتي. وبينما يتحدث الإعلام عن إسقاط خيار تقرير المصير نهائياً، تصر القرارات الصادرة عن نيويورك على تجديد التمسك بحل سياسي عادل ودائم يكفل لشعب الصحراء الغربية حق تقرير المصير. وفي الوقت الذي يروج فيه الخطاب الرسمي لإمكانية تجاوز موقف دول الجوار، تشدد التقارير الدولية على أن التوافق الإقليمي وإشراك كافة الأطراف يظل الشرط الأساسي لتجسيد أي دينامية أممية قابلة للحياة. تثبت جميع المعطيات أن ما يروج له الإعلام المغربي بشأن حسم نهائي للقضية الصحراوية هو تطلع سياسي وإعلامي موجه نحو الجبهة الداخلية، وليس حقيقة واقعية قابلة للتحقق في نيويورك. إن ملف الصحراء الغربية ليس نزاعاً بسيطاً، بل هو معادلة توازن قوى إقليمية ودولية مريرة، محكومة بقرارات الشرعية الدولية، وعقد السيادة الفنية والجغرافية، والتحولات الجيوسياسية الشاملة. وسيكون قرار مجلس الأمن المرتقب مجرد محطة أخرى ضمن مسلسل تمديد أمد بعثة المينورسو وإبقاء الملف في دائرة الإدارة الدبلوماسية للنزاع، إلى حين نضوج ظروف إقليمية ودولية حقيقية تتأسس على قواعد القانون الدولي والحوار الشفاف والشرعية الأممية الصلبة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة