الجزائر
ثقافة

المصداقية الأكاديمية: لماذا لا يجب الاعتماد على التصنيفات العالمية وحدها؟

الشروق أونلاين17 أكتوبر 2026 في 04:58 م0 مشاهدة
المصداقية الأكاديمية: لماذا لا يجب الاعتماد على التصنيفات العالمية وحدها؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "التعليم والتصنيفات العالمية: المصداقية لا تُبنى على انتقاء الأرقام" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 17 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في عالم التربية والتعليم، تتسابق الدول الغربية لنشر نتائجها، سواء كانت إيجابية أو سلبية، أمام الرأي العام دون انتقائية. في المقابل، نميل نحن إلى تسليط الضوء على النتائج الإيجابية فقط، متجاهلين المعطيات التي تضعها في سياقها الصحيح. هذا النهج يضر بمصداقية خطابنا ويجعل ما نعلنه عرضة للتشكيك. سنستعرض هنا مثالين ونناقش عيوب التصنيفات العالمية للجامعات لتجنب الوقوع في فخاخها.

مثالان:

المثال الأول: أعلنت وزارة التربية الوطنية مؤخرًا أن الجزائر تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في مجال التربية ضمن مؤشر الابتكار العالمي. لكن لم يتم توضيح طبيعة هذا المؤشر والأسس التي استند إليها هذا الترتيب بشكل كافٍ. هذا التصنيف يرتبط بمؤشرات محددة، أبرزها الإنفاق على التعليم، وهو ما تميزت به البلاد. هذا لا يعني بالضرورة أن الجزائر تحتل المرتبة الثالثة عالميًا من حيث جودة التعليم أو مستوى التحصيل الدراسي، فالإنفاق المرتفع مؤشر مهم ولكنه ليس كافيًا للحكم على جودة المنظومة التربوية وفعاليتها.

المثال الثاني: أعلنت وزارة التعليم العالي أن الجزائر تحتل المرتبة الأولى عربيًا ومغاربيًا من حيث عدد المؤسسات الجامعية المصنفة في تصنيف “كيو إس” (QS) لعام 2027، حيث ارتفع عدد المؤسسات الجزائرية المدرجة إلى 50 مؤسسة. كما صُنفت جامعة عنابة في المرتبة الأولى وطنيًا. هذه المعطيات صحيحة وقد توحي بتقدم ملحوظ لجامعاتنا. لكن عند فحص التفاصيل، نجد أن التصنيف شمل 325 جامعة عربية من أصل حوالي 700 مؤسسة جامعية في العالم العربي. تتصدر مصر والجزائر القائمة بعدد المؤسسات الجامعية (حوالي 120 لكل منهما)، مما يفسر تمثيلهما الكبير في التصنيف. أما ترتيب الجامعات، فنجد أن أفضل جامعة جزائرية، وهي جامعة عنابة، تحتل المرتبة 110 عربيًا، تليها جامعة قالمة في المرتبة 145، ثم جامعة تلمسان ضمن المراتب 151–160. أكثر من 30 مؤسسة جزائرية من أصل 50 تقع في المرتبة 251 فما بعدها. للمقارنة، تضم السعودية 24 جامعة ترتيبها أفضل من جامعة عنابة، ولا توجد سوى جامعة سعودية واحدة ضمن المراتب التي تتجاوز 251. الإشكال يكمن في عرض النتائج الإيجابية دون سياقها العام؛ فعدد الجامعات المصنفة لا يعكس جودة الأداء، والتقدم في مؤشر جزئي لا يعني التفوق العام. المصداقية تتطلب عرض النتائج كاملة وقراءتها بموضوعية.

عيوب التصنيفات الدولية للجامعات:

أصبحت التصنيفات الدولية مثل “كيو إس” و “تايمز للتعليم العالي” (THE) و “شنغهاي” (ARWU) مرجعًا أساسيًا يؤثر في السياسات الجامعية واختيارات الطلبة. لكن هل تعكس المرتبة التي تحتلها الجامعة جودتها الحقيقية؟ لا بالضرورة. فهذه التصنيفات تواجه عدة نقائص:

  • صعوبة قياس جودة التدريس: لا تقيس هذه التصنيفات بصورة كافية مدى تقدم الطلبة، قدرتهم على التفكير المستقل، جودة المحاضرات، وفعالية التأطير البيداغوجي. المؤشرات غير المباشرة مثل نسبة الطلبة إلى أعضاء هيئة التدريس لا تضمن جودة التدريس.
  • الاعتماد على السمعة الأكاديمية: الجامعات المعروفة تستفيد من حضور تاريخي، مما قد يخلق حلقة تدعم فيها الشهرة الجاذبية دون تحسن حقيقي في جودة التعليم.
  • التركيز على عدد الاستشهادات العلمية: رغم أهميته، لا يصلح كمقياس شامل للجودة.
  • التحيز للغة الإنجليزية: الأبحاث المنشورة بالإنجليزية تحظى بانتشار أكبر من أبحاث جيدة بلغات أخرى، خاصة في مجالات العلوم الإنسانية والتاريخ والقانون والتربية.
  • تأثير الفوارق في الموارد: الجامعات الغنية لديها قدرة أكبر على تمويل المخابر، استقطاب الباحثين، ودعم حضورها الدولي، مما قد يظلم جامعات ذات إمكانيات محدودة.
  • عدم التمييز بين مستوى الطلبة عند الالتحاق: الجامعات التي تنتقي طلبة متفوقين قد تحقق نتائج مرتفعة دون أن يعني ذلك تطوير قدراتهم بشكل أكبر من جامعات تستقبل طلبة متفاوتي المستويات.

هل من تصنيف يراعي جودة التعليم والتحصيل؟

عندما تصبح المرتبة الدولية هدفًا استراتيجيًا، قد تعطي الجامعة الأولوية للأنشطة التي تحسن موقعها على حساب مهام أخرى مثل تحسين التدريس ومرافقة الطلبة. الجامعة لها مسؤوليات وطنية واجتماعية تتجاوز البحث العلمي، مثل تكوين الكفاءات وتلبية احتياجات المجتمع. هذا النقد لا يعني أن التصنيفات عديمة الفائدة، فهي تساعد على التعرف على المؤسسات ذات الحضور القوي في البحث العلمي وإيجاد شركاء. لكن استخدامها يصبح مضللًا عندما تتحول إلى أحكام شاملة على الجودة. السؤال الأهم ليس عن المرتبة، بل عن جودة ما يتعلمه الطلبة، مدى تقدمهم، جودة بحوثهم، ومدى استجابتهم لاحتياجات مجتمعهم. الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر فائدة لتطوير التعليم العالي من السعي وراء مرتبة قد لا تعكس تحسنًا حقيقيًا في جودة التكوين.

شارك الخبر: