قانون كامبل: احذروا الأرقام المضللة، فالواقع أهم!


هذا الخبر بعنوان "قانون كَامْبِل: لا تصدّقوا الأرقام قبل التّحَرّي!" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عالم اليوم الذي تهيمن عليه لغة الأرقام والمؤشرات والتصنيفات، تُستخدم هذه الأرقام لتقييم الجامعات والمدارس، وقياس الكفاءات، والحكم على نجاح السياسات. ورغم أن هذه المؤشرات تساعد في فهم الواقع ومقارنة النتائج، إلا أن هناك مفارقة خطيرة تحدث عندما يصبح تحسين الرقم أهم من تحسين الواقع نفسه. هذه الظاهرة هي ما يسلط عليها قانون كامبل وغودهارت الضوء، محذرين من السلوك المضلل الذي يمكن أن ينشأ عندما تتحول المؤشرات إلى أهداف، مما يؤدي إلى نتائج عكسية.
قانون كامبل: عندما يصبح القياس هدفًا
يشرح قانون كامبل، الذي لفتت الانتباه إليه الزميلة ليلى زيتوني، أستاذة الرياضيات ومديرة تحرير مجلة بشائر العلوم، كيف يمكن لسياسة تهدف إلى تحسين وضع معين أن تؤدي إلى نتائج عكسية. فمدرسة قد تعلن عن نتائج أفضل دون أن يعني ذلك تحسنًا حقيقيًا في مستوى تلاميذها، وإدارة عامة قد تؤكد ارتفاع مستوى أدائها بينما لا يلاحظ المواطنون تحسنًا في الخدمات. يكمن جوهر قانون كامبل وقانون غودهارت في أن الأرقام تفقد قيمتها عندما تتحول إلى أهداف يجب بلوغها.
صاغ العالم النفسي دونالد كامبل في عام 1976 ملاحظة مفادها أنه كلما زاد الاعتماد على مؤشر كمي لاتخاذ قرارات مهمة، زادت احتمالات التلاعب بهذا المؤشر. فعندما تعلم مؤسسة أنها ستُكافأ أو تُعاقب بناءً على رقم معين، فإنها غالبًا ما تعطي الأولوية لهذا الرقم على حساب الهدف المنشود. وقد صاغ الاقتصادي البريطاني تشارلز غودهارت فكرة مشابهة في عام 1975، حيث رأى أن أي انتظام إحصائي يميل إلى الاختفاء عندما يتم الضغط عليه بغرض التحكم فيه. أما عالمة الأنثروبولوجيا مارلين ستريذرن فقد لخصت المشكلة في عبارة شهيرة: “عندما يصبح القياس هدفًا فإنه يفقد صلاحيته بوصفه مقياسًا جيدًا”.
تتقارب إسهامات هؤلاء الباحثين الثلاثة رغم اختلاف سياقاتهم. فالمشكلة لا تكمن في الأرقام بحد ذاتها، بل في غياب التحرّي بشأنها، والتغاضي عن حدودها، والخلط بين المؤشر والواقع الذي يفترض أن يمثله.
التعليم العالي والجامعات: خطر المؤشرات
يقدم مجال التعليم أمثلة واضحة لهذه المشكلة. فمؤشرات مثل نسب النجاح في الامتحانات، ومعدلات إعادة السنة، ونتائج الاختبارات الدولية، ونسبة المتخرجين، هي بيانات مفيدة، لكنها لا تقيس جودة التعليم بمفردها. فارتفاع نسبة النجاح لا يعني بالضرورة فهمًا أعمق أو إتقانًا أفضل. وإذا كان الهدف هو تقليص إعادة السنة، فقد تلجأ بعض المؤسسات إلى نقل التلاميذ دون معالجة صعوباتهم الحقيقية، مما يحسن المؤشر بينما تؤجل معالجة النقائص.
في التعليم العالي، تعتمد التصنيفات الدولية للجامعات على معايير مثل السمعة الأكاديمية، والمنشورات العلمية، والاستشهادات، والانفتاح الدولي. ورغم فائدة هذه المعايير، إلا أنها لا تقيس جودة الدروس أو مستوى تأطير الطلبة. وقد تركز الجامعات على المعايير التي تمنحها نقاطًا إضافية في التصنيفات العالمية، على حساب أنشطة أخرى أقل ظهورًا أو أصعب قياسًا، مثل جودة التدريس.
عندما يتوقف تقييم الباحثين بشكل أساسي على عدد المنشورات أو الاستشهادات، فإن الضغوط تشجع على نشر مقالات كثيرة محدودة علميًا، أو تقسيم النتائج البحثية، أو اختيار موضوعات يُتوقع أن تحظى باستشهادات أكثر. وهذا ما يحذر منه قانون كامبل، ويظهر أيضًا في كتاب “استبداد المؤشرات” لجيري مولر.
أهمية قانون كامبل في السياسات العامة
لا يعني هذا التنبيه التخلي عن الإحصاء والتقييم الكمي، فهما ضروريان لمقارنة الأوضاع، والكشف عن التفاوتات، ومتابعة التقدم، ومساءلة المسؤولين. الحل يكمن في الجمع بين عدة مؤشرات، وإبراز الجوانب الإيجابية والسلبية معًا. في التعليم، يجب مقارنة نسبة النجاح بتقييمات مستقلة للكفاءات وظروف التعلم. وفي الجامعات، يجب استكمال مؤشرات البحث العلمي بمعلومات عن التأطير وجودة التكوين. كما يُوصى بمراجعة آثار المعايير المعتمدة بانتظام.
يدعونا كامبل، وغودهارت، وستريذرن، ومولر، إلى التحرّي وتوخي الحذر: المؤشر ليس هو الواقع برمته، بل هو تمثيل جزئي له. وكلما ازدادت أهمية القرارات المبنية عليه، ازدادت ضرورة التحقق من أنه لا يزال يقيس ما نريد تحسينه فعلاً. فحين تصبح غاية التسيير الحصول على مؤشرات سارّة، ينتهي الأمر بالتضحية بما وُضعت المؤشرات لخدمته.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة