رواية فرنسية تكشف مجزرة شارع إيسلي بالجزائر في ذكرى الثورة المجيدة


هذا الخبر بعنوان "في ذكرى الثورة المجيدة.. رواية فرنسية تعيد فتح ملف مجزرة إيسلي في الجزائر" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 4 نوفمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تزامناً مع احتفال الجزائر بالذكرى الثانية والسبعين لاندلاع ثورة التحرير المجيدة، سلطت مجلة “Télérama” الفرنسية الضوء على فصل مؤلم من تاريخ الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وذلك من خلال رواية “Halte au feu” للكاتب والمخرج الفرنسي ستيفان جيوستي. تسترجع الرواية تفاصيل مجزرة شارع إيسلي بالعاصمة الجزائر، حيث أطلق جنود الجيش الفرنسي النار على مظاهرة سلمية، مما أسفر عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، في حدث يكشف أن اتفاقيات إيفيان لم تضع نهاية للعنف الاستعماري.
في مقال نشرته المجلة بتاريخ الأول من نوفمبر 2026، تحت عنوان “Halte au feu.. رواية تاريخية قوية عن فصل دموي من الجزائر الاستعمارية”، تم التركيز على العمل الروائي الذي يعيد إحياء أحداث 26 مارس 1962، التي وقعت بعد ثمانية أيام من توقيع اتفاقيات إيفيان. يسلط المقال الضوء على براعة الكاتب في تصوير عنف تلك المرحلة وتعقيداتها من خلال تتبع مصائر ست شخصيات تتشابك أحداثها في يوم مأساوي من تاريخ الجزائر.
رصاص فرنسي بعد اتفاقيات إيفيان!
تعود أحداث الرواية إلى يوم 26 مارس 1962، حيث تجمع حوالي ثلاثة آلاف من المستوطنين الفرنسيين (الأقدام السوداء) في شارع إيسلي بالجزائر العاصمة، تلبية لدعوات للتظاهر ضد استقلال الجزائر وتمسكاً بالبقاء تحت السيادة الفرنسية. جاء ذلك في سياق متوتر أعقب المواجهات بين الجيش الفرنسي ومنظمة الجيش السري “OAS” الإرهابية في حي باب الوادي.
عند الحاجز العسكري الذي أقامه جنود الفوج الرابع للرماة، اندلعت المواجهة حوالي الساعة الثانية وخمس وأربعين دقيقة بعد الظهر، بعد سماع طلقات نارية لم يتم تحديد مصدرها بشكل قاطع. أعقب ذلك قيام الجنود بإطلاق النار على الحشد، في مجزرة أدت إلى مقتل 49 شخصاً وإصابة نحو 200 آخرين، وفقاً للأرقام التي أوردتها المجلة الفرنسية، والتي أكدتها أيضاً قاعدة بيانات وزارة الجيوش الفرنسية.
تكتسب هذه المجزرة أهمية تاريخية بالغة، إذ وقعت في وقت كانت فيه فرنسا قد أبرمت اتفاقيات إيفيان التي مهدت لاستقلال الجزائر، بينما كانت منظمة “OAS” الإرهابية تسعى لإفشال مسار الاستقلال عبر تصعيد العنف والمواجهات. وهكذا، شهدت الأيام الأخيرة من الحقبة الاستعمارية مشاهد دامية في الجزائر، رغم الإعلان عن وقف إطلاق النار.
ست شخصيات.. ومدينة تختنق بالكراهية والعنف
لم يقدم ستيفان جيوستي سرداً تاريخياً جافاً للمجزرة، بل اعتمد أسلوب الرواية الجماعية المتقاطعة، متتبعاً مصائر ست شخصيات خلال الساعات التي سبقت إطلاق النار. يعيش القارئ من خلال هذا البناء الروائي أجواء التوتر والترقب وصولاً إلى اللحظة الدامية.
تضم الشخصيات ملازم الدرك لوسيان بيريز، والناشطين الشيوعيين إليان ودانييل أورتيغا، وابنتي عائلة من صغار التجار ماري فرانس وأوديت كاربونيل، بالإضافة إلى بول كيلر، عضو في كوماندوز دلتا التابع لمنظمة الجيش السري. من خلال هذه الشخصيات المتنوعة، يرسم الكاتب صورة لمجتمع المستوطنين الفرنسيين في الجزائر خلال أيامه الأخيرة، بما حمله من انقسامات ومخاوف وتناقضات، في ظل تصاعد العنف ونفوذ منظمة الجيش السري التي تسللت، بحسب قراءة المجلة، إلى مختلف مفاصل ذلك المجتمع.
وصفت “Télérama” الرواية بأنها عمل مشوق وقوي، يعتمد كتابة حادة وإيقاعاً متصاعداً. يستفيد جيوستي من خبرته في الإخراج السينمائي لتقديم مشاهد نابضة بالتفاصيل، تجعل من الجزائر العاصمة مسرحاً تتراكم فيه الكراهية حتى تنفجر في مواجهة دامية.
ذاكرة الاستعمار.. صفحات لا تطويها اتفاقيات السلام
لا تقتصر أهمية الرواية على استعادة تفاصيل مجزرة شارع إيسلي، بل تتصل أيضاً بما أثارته المجلة الفرنسية بشأن بقاء هذا الحدث طويلاً في منطقة مسكوت عنها من الذاكرة الفرنسية، وسط محاولات توظيفه من قبل أنصار الحنين إلى “الجزائر الفرنسية” واليمين المتطرف.
تطرح الرواية، في هذا السياق، أسئلة صعبة حول الذاكرة الاستعمارية، وكيف يمكن استحضار معاناة المدنيين دون تحويلها إلى أداة لتبرير المشروع الاستعماري أو تبييض جرائم منظمة الجيش السري، التي مارست العنف والإرهاب في محاولة لعرقلة استقلال الجزائر.
تعيد المجزرة إلى الواجهة حقيقة أن نهاية الاستعمار لم تكن مساراً هادئاً، وأن اتفاقيات إيفيان، رغم أهميتها التاريخية، لم توقف فوراً دوامة العنف التي طبعت الأشهر الأخيرة من الوجود الفرنسي في الجزائر.
حازت رواية “Halte au feu”، الصادرة عن دار النشر الفرنسية “Seghers” في 20 أغسطس 2026، على جائزة الرواية التاريخية لعام 2026 ضمن جوائز “المواعيد التاريخية في بلوا” (Les Rendez-vous de l’Histoire de Blois)، لتفتح من خلال الأدب ملفاً تاريخياً بالغ الحساسية، وتضع مجزرة شارع إيسلي مجدداً أمام القراء، بعد عقود من وقوعها.
اقتصاد
ثقافة
سياسة
سياسة