الجزائر
ثقافة

المقاهي الجزائرية: برلمانات شعبية ومراكز تحليل للأحداث المحلية والدولية

الشروق أونلاين7 نوفمبر 2026 في 04:08 م0 مشاهدة
المقاهي الجزائرية: برلمانات شعبية ومراكز تحليل للأحداث المحلية والدولية

تنويه

هذا الخبر بعنوان "المقاهي الجزائرية… برلمانات مصغرة واستوديوهات للتحليل المباشر" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 7 نوفمبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في الجزائر، لم تعد المقاهي مجرد أماكن لاحتساء القهوة، بل تحولت عبر الزمن إلى ما يشبه البرلمانات الشعبية المفتوحة، واستوديوهات للتحليل السياسي والرياضي، وبلاطوهات إعلامية لا تتوقف فيها النقاشات. هنا، تختلط السياسة بالرياضة، والشؤون المحلية بالقضايا الدولية، وتتقاطع هموم المواطنين مع أخبار العالم، في مشهد اجتماعي يعكس جانباً مهماً من ثقافة المجتمع الجزائري والتواصل المباشر.

يعتاد العديد من الجزائريين على المرور بالمقاهي قبل الالتحاق بالعمل، أو للقاء الأصدقاء وتبادل الأحاديث. لكن هناك فئة خاصة من الرجال تحرص على حجز أماكنها المعتادة، التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من برنامجهم اليومي. وفي مدينتي سطيف والعلمة، تتجلى هذه الصورة بوضوح في المقاهي الشعبية التي تحتفظ بزبائنها الأوفياء، وتستقبل يومياً وجوهاً مألوفة تجمعها طقوس القهوة ورغبة الحديث والنقاش، بغض النظر عن مستوياتهم الثقافية والاجتماعية.

في كل ركن منشط ومحلل ومعلق في مقاهي سطيف والعلمة، لا يحتاج الزائر إلى انتظار نشرة الأخبار لمعرفة ما يشغل الرأي العام. فبمجرد الجلوس إلى إحدى الطاولات، يجد نفسه أمام نشرة إخبارية مفتوحة تتوزع عناوينها بين أوضاع الأسواق، ومشاكل الأحياء، وقرارات المسؤولين، والملفات السياسية والاقتصادية التي تشغل البلاد. هنا، لكل فرد رأيه وتحليله وموقفه، ولكل قضية أكثر من قراءة. وقد يتحول نقاش عادي حول وضعية طريق أو أزمة نقل إلى جلسة مطوّلة لتشريح أداء المنتخبين المحليين، ومناقشة مسؤوليات المجالس البلدية والولائية.

حالياً، يطغى الحديث عن الانتخابات المحلية، وعن الذين انتهت عهدتهم والقادمين الجدد لتسيير الشأن المحلي. يقول عمي صالح، وهو من رواد مقهى الصوابر بالعلمة: “السياسة هنا تستخلص من عمق المعاش اليومي، عندما نتحدث عن انتخابات 28 نوفمبر، فنحن لا نناقش شعارات فارغة، بل نبحث عن وجوه قادرة على فك أزمات الطرقات والنظافة، وتهيئة الأحياء. المواطن اليوم أصبح واعياً، والمقهى هو المكان الوحيد الذي يتيح لك أن تواجه المترشح أو مؤيديه بنقد صريح من دون بروتوكولات أو مجاملات”.

لا تتوقف هذه البرلمانات المصغرة عند الحدود المحلية، بل تمتد إلى متابعة الأحداث الدولية، من الحروب والتوترات السياسية إلى التحولات الاقتصادية والصراعات الإقليمية. يناقش بعض الرواد التطورات العالمية بحماس المحللين والخبراء، مستندين إلى ما يتابعونه عبر القنوات التلفزيونية والمواقع الإخبارية ومنصات التواصل الاجتماعي. وبين رأي يستند إلى المعلومات وآخر تحركه الانطباعات، تتشكل داخل هذه الفضاءات صورة مصغرة عن تعدد الآراء واختلاف القراءات، في جلسات لا تحتاج إلى مقدم برنامج أو ضيوف رسميين، فكل طاولة لها منشطها، وكل زبون قد يجد نفسه محللاً أو معلقاً.

ملاعب العالم فوق طاولة قديمة

الرياضة، وكرة القدم تحديداً، لها مكانة استثنائية في هذه الفضاءات. تتحول الطاولات، خاصة عند بث المباريات، إلى استوديوهات تحليلية مفتوحة تتعدد فيها الآراء والتوقعات والتعليقات. في سطيف والعلمة، كما في بقية المدن الجزائرية، تتوزع النقاشات بين وفاق سطيف ومولودية العلمة ومختلف أندية البطولة الوطنية، وصولاً إلى الدوريات الأوروبية الكبرى. يتابع الرواد أخبار اللاعبين والمدربين والانتقالات، ويحللون الخيارات التكتيكية والنتائج، وكأنهم أمام بلاطو رياضي مباشر. ولا يغيب المنتخب الوطني عن هذه الجلسات، إذ تتحول كل مباراة لـ”الخضر” إلى مناسبة لإعادة تقييم أداء اللاعبين والطاقم الفني. يقول أمين، أحد رواد مقهى بسطيف: “وفاق سطيف شغلنا الشاغل، وهو حالياً يمر بفترة صعبة. وبين وفاق اليوم ووفاق زمان فرق شاسع، وفي المقهى، نحاول أن نفرغ مكنوناتنا ونتحدث عن اللاعبين والمدربين وننتقد طريقة لعبهم، وسواء أصبنا أو أخطأنا، يبقى المقهى متنفسا نعبر فيه عن آرائنا من دون تحفظ”.

رغم اتساع الفضاء الرقمي… احتفاظ بالوظيفة الاجتماعية

في مدينة العلمة، المعروفة بحركيتها التجارية والاقتصادية، تكتسب المقاهي الشعبية طابعاً خاصاً بالنظر إلى تنوع روادها وحيوية النقاشات التي تحتضنها. تتشكل يومياً حلقات نقاش لا تكاد تنتهي في المقاهي العريقة المنتشرة في أحياء المدينة. يحرص بعض الرواد على الجلوس في الطاولة نفسها، وفي التوقيت نفسه تقريباً، حتى أصبح حضورهم مألوفاً لدى صاحب المقهى والعاملين فيه وبقية الزبائن. هؤلاء “المنخرطون في جلسات القهوة” لا تقتصر علاقتهم بالمقهى على استهلاك مشروب، بل يجدون فيه فضاء اجتماعياً دائماً لتبادل الأخبار والآراء، ومناقشة المستجدات، واستعادة ذكريات الماضي، والتعليق على ما يحدث في المدينة وخارجها. وقد تتحول جلسة صباحية أو مسائية بسيطة إلى موعد يومي ينتظره أصحابها، يتفقدون خلاله أحوال بعضهم البعض، ويسألون عن الغائب، ويتبادلون الأخبار العائلية والمهنية.

من منظور علم الاجتماع، تتجاوز ظاهرة الإقبال اليومي على المقاهي مجرد عادة استهلاك مشروب أو رغبة في تمضية الوقت، لتكشف عن وظيفة اجتماعية وثقافية أعمق، ترتبط بحاجة الفرد إلى الانتماء والتواصل وإثبات حضوره داخل الجماعة. يقول الأستاذ كمال بوعلام، المختص في علم الاجتماع: “المقهى يمثل فضاء اجتماعيا مفتوحا تتقاطع داخله العلاقات الإنسانية، وهو صمام أمان سيكولوجي واجتماعي بامتياز، في ظل تحديات العزلة الفردية التي تفرضها التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي. فرغم الانتشار الواسع للفضاء الرقمي، يبقى التواصل الإنساني المباشر يحتفظ بمكانته الاجتماعية، حيث يهرب الفرد الجزائري إلى المقهى للبحث عن ‘الدفء البشري’ والاعتراف الاجتماعي. كما يلتقي فيه فئات مختلفة من المجتمع، فالمقهى يوفر فضاء ديمقراطياً، حيث يتساوى التاجر والأستاذ والعاطل عن العمل والمتقاعد أمام فنجان القهوة، مما يعزز التضامن الخفي ويخفف من حدة التوتر النفسي والاجتماعي”.

ويضيف بوعلام: “إن المقهى يمنح مرتاديه شعوراً بالمشاركة والتأثير، حتى وإن كان ذلك في إطار نقاشات غير رسمية. كما أن ظاهرة الزبائن الدائمين الذين يرتبطون بمقاه معينة ويحرصون على ارتيادها يومياً تشكل روابط اجتماعية قائمة على الألفة والتكرار والثقة المتبادلة، حيث يصبح المقهى جزءاً من الحياة اليومية للفرد، ومجالاً لمقاومة العزلة الاجتماعية، خصوصاً لدى المتقاعدين والأشخاص الذين تقل فرص احتكاكهم اليومي بمحيط اجتماعي واسع”.

مراكز للكفاح والقهوة ستار لنشاط ثوري

تاريخ المقاهي الجزائرية يحمل وجهاً آخر أكثر عمقاً، ارتبط بمرحلة الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، حين تحولت في كثير من المناطق إلى نقاط اتصال ولقاء وتنسيق تخدم الثورة التحريرية المجيدة. في شهر نوفمبر، نتذكر بعض المقاهي التي استخدمت خلال سنوات الثورة، بحكم طبيعتها الاجتماعية وكثرة المترددين عليها، لتسهيل تحركات المجاهدين، وتمرير الرسائل السرية، وتوفير أماكن للاجتماع والتواصل، بل وإخفاء الأسلحة والعتاد في بعض الحالات. في مدينة العلمة، يبرز اسم مقهى “بوالبغيلات” بشارع النصر، باعتباره واحداً من الشواهد التي ارتبطت بالذاكرة ودور المقاهي في خدمة الثورة التحريرية. يروي عمي النوي مخربش، شقيق الشهيد العيد مخربش، والذي كان يعمل بالمقهى خلال تلك الفترة: “كنا نحتفظ بأسلحة المجاهدين ونخفيها داخل سلة المهملات التي نضع فيها بقايا القهوة، حتى لا تثير الشبهات. لقد كان المقهى همزة وصل بين الثوار، ومعبراً لتمرير الأسلحة والرسائل السرية بكل ثقة، في ظروف كانت تتطلب الكثير من الحيطة والحذر والشجاعة”.

شهادة تختزل جانباً من الدور الذي اضطلعت به المقاهي الشعبية في دعم الثورة التحريرية، وتكشف كيف تحولت أماكن تبدو عادية إلى فضاءات للمقاومة والعمل السري. بين مقاهي الأمس التي احتضنت رجال الثورة، ومقاهي اليوم التي تحتضن نقاشات المواطنين وانشغالاتهم، خيط اجتماعي وتاريخي يربط الأجيال، ويؤكد أن المقهى ظلّ على الدوام جزءاً من الحياة العامة الجزائرية.

في نهاية المطاف، تكشف جولتنا بين مقاهي سطيف والعلمة أن هذه الفضاءات تجاوزت صورة المحلات التجارية، لتصبح مؤسسات اجتماعية غير رسمية، تتشكل داخلها ملامح النقاش العام، وتلتقي فيها مختلف شرائح المجتمع. قد لا تكون النقاشات دائماً دقيقة، وقد تختلط فيها المعلومة بالإشاعة، والتحليل بالانطباع، لكن ذلك لا يلغي الدور الذي تؤديه المقاهي باعتبارها فضاءات للتعبير والتواصل وتبادل وجهات النظر. في المقهى، لا يحتاج المرء إلى دعوة رسمية ليشارك في النقاش، ولا إلى صفة خبير ليبدي رأيه، يكفي أن يجد مكاناً حول الطاولة وفنجان قهوة، ليصبح جزءاً من جلسة قد تبدأ بحديث عن أحوال الحي وتنتهي بمناقشة أوضاع العالم. وهكذا، تظل المقاهي الجزائرية برلمانات شعبية لا تُرفع جلساتها، واستوديوهات تحليل لا تنطفئ أضواؤها، فضلاً عن كون بعضها شاهداً على تاريخ نضالي مجيد وذاكرة اجتماعية تحفظ حكايات الناس.

شارك الخبر: