المولد النبوي الشريف: تجليات الوفاء الشعبي وإنصاف الفلاسفة والمفكرين الغربيين


هذا الخبر بعنوان "المولد النبوي بين وفاء الشعوب وإنصاف فلاسفة الغرب" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 أوت 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في عتمة الجاهلية الأولى، وققبل أن تنبلج أنوار الرسالة المحمدية، كانت البشرية ترزح تحت وطأة الظلم والوثنية والانحطاط الروحي، حتى أراد الله عز وجل للإنسانية جمعاء أن تخرج من الظلمات إلى النور، فجاء ميلاد الخاتم، النبي العربي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم، في الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل. لم يكن ذلك الحدث التاريخي مجرد واقعة عابرة في زوايا الجزيرة العربية، بل كان ميلادا لزمن جديد، وإعلانا لرحمة مهداة للعالمين.
ومنذ ذلك الفجر الأول، وإلى غاية يومنا هذا عبر أربعة عشر قرنا من الزمان، ظل ذكر المصطفى صلى الله عليه وسلم يتردد في الآفاق، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وتلتهب بحبه قلوب مئات الملايين في مشارق الأرض ومغاربها، تيمنا وتعظيما وسيرًا على نهجه القويم. وفي الجزائر الأبية، يكتسي هذا الاحتفال طابعا فريدا متجذرا في أعماق التاريخ والوجدان الشعبي، ليتحول كل عام إلى ملحمة وطنية وروحية متكاملة الأركان.
إن تتبع الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف صلى الله عليه وسلم في الجزائر، ينسج لوحة فسيفسائية رائعة الامتداد، تبدأ من تبسة الشرقية الشامخة على حدود التاريخ، وتمر عبر تيزي وزو الزاخرة بأصالة جرجرة وزواياها العامرة، ولا تتوقف عند تندوف الصحراوية البتول، بل تمتد لتلامس قلب الهقار والأصالة في تمنراست في أقصى الحدود الجنوبية.
من تبسة، حيث تشتعل الشموع الكبيرة وتتزين البيوت بأبهى حلل الفرح، وتبادل الزيارات العائلية على أطباق العزيمة والحلويات التقليدية، إلى منطقة القبائل الشامخة حيث تعج الزوايا القرآنية والعريقة بالمريدين وتصدح حناجر الحشود بالمدائح النبوية الشريفة باللغتين العربية والأمازيغية، وتقام “الوعدة” وتوزيع الكسكس في أجواء تفيض تضامنا وتراحما. ومن هناك نحو الجنوب الغربي في تندوف وتوات وقورارة، حيث تحيا “الليالي” ومجالس الذكر الكبرى والسلكات التي تستمر حتى الفجر مفعمة بالأناشيد الدينية، وصولا إلى تمنراست وأحضان الصحراء الكبرى، حيث تتداخل المناسبة مع قيم التكافل العريقة، ونحر الذبائح، واجتماع العائلات حول حلقات السمر والذكر.
إنها الجزائر برمتها، من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، تنبض قلوب أبنائها بحب النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، وتتوحد في الاحتفال به كأعظم رمز للوحدة والروحانية والارتباط بالهوية. ومن فرط هذا التقديس والارتباط الوجداني العميق بصاحب الذكرى، تجلى اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومولده في الهوية الجزائرية بكل تفاصيلها؛ فمن تسمية الأبناء بـ”ميلود” و”مولود” تيمُّنا بفأل الخير وبركة الزمان، إلى القطاع الرياضي العريق الذي انطلق من رحم التاريخ، فلدرجة هذا التعلق، تأسست أندية رياضية كبرى في يوم المولد النبوي الشريف، وعلى رأسها عميد الأندية الجزائرية “مولودية الجزائر” التي تأسست في السابع من أوت 1921 الموافق لـ12ربيع الأول 1339 هـ، لتختار الألوان الوطنية (الأخضر والأحمر) وتحمل اسم “المولودية” كرمز روحي ووطني تمدد لاحقا ليصبح علامة مسجلة في مختلف ولايات الوطن، من مولودية وهران إلى مولودية بجاية والبيض والعلمة وغيرها، لتلتحم الرياضة بالهوية والروحانية في أبهى صورها.
هذا النبي الأمي، الذي وُلد يتيما في مكة المكرمة، كيف له أن يصبح أشهر شخصية في تاريخ البشرية جمعاء، ويتبعها اليوم أكثر من ملياري مسلم يذكرونه ويصلون عليه آلاف المرات؟ فالسر يكمن في عناية إلهية كبرى تجسدت في قول الله تعالى: «ورفعنا لك ذكرك»، وفي معجزة القرآن الكريم الخالدة التي تُحفظ في الصدور لا الفصول، وفي كماله الأخلاقي العظيم الذي جعل الناس يتبعونه حبا وقناعة لا خوفا وطمعا، فضلا عن كونه «أميّا» أتى بتشريعات عجزت أعتى الحضارات عن الإتيان بمثلها، دلالةً على أن ما أتى به هو وحي من عند الله.
وحين نتأمل في هذا الحجم الهائل من الإجلال، نجد أنه لم يقتصر على المسلمين وحدهم، بل امتد عبر التاريخ والقرون ليشمل غير المسلمين من مفكرين وفلاسفة ومؤرخين أنصفوا النبي الأعظم؛ فبدءا بالنجاشي ملك الحبشة المسيحي وصولا إلى عمالقة الفكر الحديث كالأمريكي مايكل هارت الذي وضعه في المرتبة الأولى في كتابه عن أعظم رجال التاريخ، والكاتب الإنجليزي توماس كارليل الذي وصفه بـ”بطل في صورة نبّي”، وزعيم الهند مهاتما غاندي، والأديب الأيرلندي جورج برنارد شو، وآخرين كثيرين.
وحين نعرّج إلى فرنسا تحديدا، بعد الثورة الفرنسية وعصر التنوير والانفتاح الفكري، نجد أن كبار أدبائها وشعرائها ومفكريها قد نظروا إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بإجلال وإكبار بالغين، متجاوزين ترسبات وظلامية العصور الوسطى، فأمير الشعراء الفرنسيين فيكتور هيغو كتب قصيدة ملحمية خالدة بعنوان “عام الفيل” في ديوانه “أسطورة العصور”، رسم فيها صورة سامية للنبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، والشاعر والسياسي والمؤرخ الفرنسي الكبير ألفونس دي لامارتين كتب عبارته الخالدة في “تاريخ تركيا” متسائلا ومُقرًّا بأنه لا يوجد في تاريخ البشرية رجلٌ جمع مقاييس العظمة مثل محمد صلى الله عليه وسلم. وإلى جانبهم، كتب المؤرخ والطبيب الاجتماعي غوستاف لوبون شهادة منصفة يؤكد فيها أن العرب لم يعرفوا هاديا أرحم ولا أعظم من نبيهم، والمفكر وفيلسوف التنوير فولتير الذي أقر في كتاباته التاريخية بأنه كان مُشرّعا عظيما وسياسيا فذا. هؤلاء العمالقة أدركوا بعمق عظمة العبقرية المحمدية وأنصفوها تاريخيا وأدبيا.
ثقافة
سياسة
عاجل
تكنولوجيا