قراءة في تاريخ الحضور العلمي الفرنسي وتراجعه الواقعي مقارنة بالمشهد العالمي الحديث


هذا الخبر بعنوان "كان لِلْعِلم الفرنسي مجدٌ… فأينَ هو اليوم؟" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 سبتمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
نواصل في هذا المقال تفكيك الخطاب الفرنكوفيلي الذي يخوض هذه الأيام حملة سياسية وإيديولوجية مكشوفة ضد كل محاولة لدعم مكانة اللغة العربية في المدرسة، أو فتح المنظومة التعليمية الجزائرية على لغات أخرى، وفي مقدمتها الإنكليزية. فالمسألة، بالنسبة إلى هؤلاء، لم تعد نقاشا تربويا حول مصلحة التلميذ ومستقبل المدرسة، وإنما تحولت إلى معركة للدفاع عن موقع تاريخي للغة الفرنسية وعن النفوذ الثقافي والسياسي المرتبط بها.
المثير للسخرية أن دعاة “الانفتاح” هؤلاء لا يترددون في ممارسة أقصى أشكال الإقصاء تجاه كل من يخالفهم. فمن يطالب بتعزيز العربية يُعَدّ عندهم “إسلامويا-بعثيست”، ومن ينتقد هيمنة الفرنسية يصبح “أصوليًا-ظلاميا” أو “جاهلا بلغة فولتير من قوم أبي جهل”، ومن يدافع عن الإنكليزية يصبح أداةً لـ”الاستعمار الجديد” بقيادة الولايات المتحدة. إنها عقلية سياسية لا تهدف لمعرفة أيّ منظومة لغوية تخدم المدرسة الجزائرية بصورة أفضل، والحقيقة هي أن مدرستنا ليست ملكًا للفرنكوفونية، وأن اللغة الفرنسية ليست جواز سفر إلى العلم والحداثة.
في هذا السياق، دعنا نسلط بعض الضوء على واقع العِلم الفرنسي للرد على من يتشبثون بـ”غنيمة الحرب”. وبداية هذا العِلم ولغته كانت عند المنعطف القانوني الأبرز سنة 1539م حين صدر مرسوم في عهد الملك فرانسوا الأول يفرض تحرير الوثائق الإدارية والقضائية باللغة الفرنسية عوض اللغة اللاتينية. ومن ثم تطورت اللغة والعِلم بفضل أمثال ديكارت وباسكال، وتأسيس أكاديمية العلوم عام 1666م، مروراً بعلماء مثل أمبير ولافوازييه وفورييه وباستور، وصولاً إلى القرن العشرين وحصول العلماء على جوائز عالمية وإنشاء المركز القومي للبحث العلمي (CNRS) عام 1939، وتأسيس مجموعة بورباكي عام 1935. غير أن الرياح غيرت اتجاهها وتراجعت فرنسا تدريجياً لصالح دول أخرى كالصين.
ولا يمكن التناسى أن فرنسا أنشأت عام 1943 هيئة باسم “ديوان البحث العلمي الاستعماري” (ORSC)، ثم تحول عام 1953 إلى “ديوان البحث العلمي والتقني لما وراء البحار” (ORSTOM)، ليصبح عام 1998 “معهد البحث من أجل التنمية” (IRD). ويضم المعهد حالياً موظفين وباحثين وميزانية تقدر بنحو 275 مليون أورو، وسط نقاشات مستمرة حول مستقبله ودمجه المحتمل.
وقد أظهرت إحصائيات وزارة البحث العلمي الصادرة في جوان 2026 ضمن تقريرها “واقع التعليم العالي والبحث والابتكار في فرنسا” أن الصدى العلمي للعِلم الفرنسي انخفض بنسبة 33% بين عامي 2010 و2024، وتراجعت مساهمة فرنسا في المنشورات العلمية العالمية من 3.6% إلى 1.9%، بينما تضاعف حضور الصين ليصل إلى 17.7% في عام 2024. تملك الجزائر إرثا لغويا متنوعا وطاقات شبابية هائلة، وهي بحاجة إلى نظرة موضوعية لمستقبل مدرستها بعيداً عن الوصاية اللغوية التي انقضى زمانها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة