إرهاصات 2027: كيف تعيد حروب النار والبحر تشكيل النظام الدولي؟


هذا الخبر بعنوان "إرهاصات 2027: خرائط النار والبحر" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 9 سبتمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تجري في هذه الساعات تحولات عميقة في بنية العلاقات الدولية، لا تبدو عند النظر إليها منفردة سوى مجموعة من الأحداث المتزامنة، لكنها عند جمعها ضمن سياق استراتيجي واحد منذ عملية طوفان الأقصى في 2023 إلى غاية الثلث الأخير من 2026 فإنها ستكشف عن صورة أكثر تعقيدا: نحن أمام موجات ارتدادية لحرب إقليمية تجاوز تأثيرها جدران غزة، وبدأت تضرب شبكة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية والممرات البحرية التي يقوم عليها جزء مهم من النظام الدولي، إذ لم يعد السؤال متعلقا فقط بمن ينتصر عسكريا، وإنما بمن يستطيع المحافظة على موقعه داخل شبكة العلاقات والمصالح والقواعد الدولية التي تعيد الحرب تشكيلها بقوة.
أولا: الطوفان يغيّر ثوابت في العلاقات الدولية
في قلب هذه التحولات يقف الكيان الإسرائيلي أمام واحدة من أصعب مراحل علاقاته الخارجية، بعدما أدى استمرار الحرب واتساع نطاقها إلى اصطدام سياساته بمصالح عدد متزايد من الحكومات. وهذه النقطة تحديدا تستحق الانتباه، لأن العلاقات الخارجية ليست مجرد امتداد دبلوماسي للقوة، وإنما إحدى الدعامات الأساسية للأمن الاستراتيجي للكيان، وهو ما سبق أن تناولته دراسة إستراتيجية لمعهد INSS بتل أبيب تحت عنوان “سيناريوهات التهديد الوجودي لدولة إسرائيل”. وعندما يبدأ هذا العمق الخارجي في التصدع، فإن آثار الأزمة لا تظهر بالضرورة في صورة هزيمة عسكرية مباشرة، وإنما في تراجع القدرة على الحصول على الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، وفي انتقال الحلفاء من موقع الشراكة إلى موقع الضغط أو إعادة النظر في مستوى العلاقة.
وهذا ما يمكن ملاحظته في التحول المتزايد داخل عدد من العواصم الغربية، إذ أعلنت 12 دولة غربية، بينها بريطانيا وفرنسا الكندا واسبانيا وكل الدول الاسكندنافية ومعها دول أخرى، توجهها نحو إجراءات تجارية ضد المنتجات المصدَّرة من مستوطنات الكيان، في تطور يتجاوز من حيث دلالته الاقتصادية المباشرة حجم الإجراءات نفسها، لأنه يعكس انتقال الخلاف من مستوى التصريحات السياسية إلى استخدام أدوات اقتصادية ودبلوماسية أكثر مباشَرة. وجاء الرد الإسرائيلي بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس، بما يكشف أن العلاقة بين الطرفين لم تعد تدور حول اختلاف في قراءة الحرب، وإنما بدأت تدخل منطقة الردود المتبادلة والضغط السياسي.
والخطورة الإستراتيجية في مثل هذا المسار أن الأزمة لا تبقى بالضرورة محصورة في ملف واحد، بل يمكن أن تنتقل من الشرق الأوسط إلى ملفات جيوسياسية أخرى، وهو ما ظهر في ملف جزر فوكلاند، بعد دعوة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير حكومته إلى الاعتراف بالسيادة الأرجنتينية على الجزر، بالتزامن مع تصعيد أرجنتيني ضد شركات مرتبطة بالتنقيب النفطي هناك. ومن منظور العلاقات الدولية، فإن أهمية هذه التطورات لا تكمن في احتمال نشوب مواجهة بريطانية– أرجنتينية بحد ذاته، وإنما في أن الصراع بدأ يُنتج احتكاكات غير مباشرة خارج مسرحه الأصلي، وهو ما يعني أن شبكة التحالفات والخصومات نفسها بدأت تتحوَّل إلى ساحات إضافية للتنافس.
ثانيا: واشنطن ونقل الصراع إلى نقاط الاختناق
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيدا، إذ أنها من جهة منخرطة عسكريًّا في مواجهة إيران وتستخدم قواعدها في الشرق الأوسط لتنفيذ العمليات ضدها، إذ تتعرض مواقعها ومصالحها لهجمات إيرانية، ومن جهة أخرى تتزايد داخل البيئة السياسية الأمريكية الأصوات التي تدعو إلى إعادة ترتيب الأولويات وعدم الانجرار إلى صراعات جديدة لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة الوطنية الأمريكية المباشرة.
غير أن التطور الأكثر حساسية ربما لا يوجد في الجبهة الإسرائيلية– الإيرانية وحدها، وإنما في انتقال الصراع إلى الممرات البحرية؛ فمضيق هرمز لم يعد مجرد نقطة جغرافية تمر عبرها ناقلات النفط، بل تحول إلى ورقة ضغط إستراتيجية تمس أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، في حين يزداد الضغط على باب المندب بالتزامن مع تصاعد المواجهات في اليمن وامتداد آثارها إلى الأراضي السعودية والسواحل القريبة من الحُديدة. وبذلك يظهر أمامنا مشهدٌ جيوسياسي بالغ الحساسية: مضيق هرمز في شرق الخليج، وباب المندب في جنوب البحر الأحمر، يقعان في الوقت نفسه داخل بيئة أمنية مضطربة.
ثالثا: اتفاقُ مكة واحتمالات توسع دائرة الصراع
في هذا السياق، تكتسب السعودية أهمية مضاعفة لأنها تقع في قلب المعادلة بين الخليج والبحر الأحمر، ولأن تعرُّض أراضيها ومنشآتها الحيوية للخطر يمكن أن يدفع أطرافا أخرى إلى إعادة تعريف التزاماتها الأمنية. ولذلك يصبح إعلان باكستان أن اتفاق مكة للدفاع المشترك مع تركيا والسعودية قد يدخل حيِّز التفعيل إذا استمرت الضربات على الحليف السعودي تطورا يستحق المتابعة، ليس فقط بسبب احتمال اتساع دائرة المشاركة العسكرية، وإنما لأن أي انتقال من التعاون الدفاعي إلى الالتزام العملياتي سيعني دخول قوة نووية مثل باكستان، إلى جانب تركيا، في معادلة أمنية أكثر اتساعا.
الخلاصة
يظهر أن العالم لا يعيش مجرد سلسلة من الأزمات المنفصلة، وإنما مرحلة تتقاطع فيها ثلاثة صراعات رئيسية: صراع على النفوذ والتحالفات، وصراع على مصادر الطاقة وسلاسل الإمداد، وصراع على الممرات البحرية ونقاط الاختناق الإستراتيجية. ولذلك فإن المرحلة المقبلة لن تحدد فقط مستقبل الحرب بين أطرافها المباشرة، وإنما قد تحدد أيضا شكل التوازنات الجديدة في الشرق الأوسط والبحر الأحمر والمتوسط.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة