نهاية حقبة الهيمنة الأمريكية وانتقال المنطقة نحو عصر الأقلمة وتراجع النفوذ


هذا الخبر بعنوان "تراجع أمريكا… ومسار المنطقة" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 16 سبتمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد عقود من احتكار أمريكا لتعريف الأمن والسياسة والاستراتيجية في المنطقة والاقتصاد والتجارة، يمكن اعتبار هزيمة أمريكا في حربها على إيران بمثابة تأريخ رسمي لنهاية هذه الحقبة بكل ما حوته من استراتيجيات من إدارة توازنات وهندسات للنظام الإقليمي وأنماط حروب، والانتقال إلى حقبة جديدة يغلب عليها بشدة صفة الأقلمة، أي محورية القوى الإقليمية.
هل يعني ذلك أن أمريكا ستغيب عن المنطقة بالكامل، وأن تراجعها الواضح يؤدي إلى خروجها، أم أنها بعدما اكتشفت حدود قوتها تعود لترتيب أولوياتها بتركيز حماية الكيان الصهيوني أمنيا من داخله بدل حمايته من خلال انتشارها الذي كلفها كثيرا وفشل في نهاية المطاف فشلا ذريعا؟ فقد نشهد نوعا من اندغام القوة الأمنية الأمريكية في داخل إسرائيل أكثر لحمايتها والتراجع عن استراتيجيات الانتشار الفضفاضة في الإقليم التي صارت عامل ضغط كبير عليها وعلى المواطن الأمريكي وعلى إداراتها، وفرصة لأعدائها في جبهة المقاومة لنزع مكانتها من النفوس ومن دورها التاريخيّ المحوري في المؤسسات الإقليمية وعلاقاتها بالدول.
أمريكا تتهيأ أن تندك بالكيان وتحميه وفق استراتيجية الممكن والمقدور عليه، فيكون خط الدفاع عن ذاته بدل أن يكون الانتشار الأمريكي خط الدفاع الأول عنه. يبدو أنها أدركت بالمعنى الاستراتيجي أن أقصى قدرة الكيان بكل الدعم المطلق الذي وفرته له هو احتمال أو إمكان أن يكون لاعبا في الإقليم بين قوتين أو ثلاث أكبر منه لا أكثر، وأن خطاب نتانياهو بالنصر المطلق وتغيير المنطقة بجعلها إسرائيلية لا يعدو كونه وهما.
فجل ما يمكن العمل عليه أمريكيا هو جعله ثالث لاعبي المنطقة بعد إيران وتركيا، باعتبار أن إيران تمثل خطابا إسلاميا جاذبا عنوانه التحرر والمقاومة وسيبقى يتمدد، وتركيا من بعدها بما تمثل من اتجاه تنافسي يجذب إليه مكونات معينة في المنطقة ولا يتعارض مبدئيا مع مقومات جبهة المقاومة، وهو على مسافة من المقاومة ومن إسرائيل على السواء وله علاقة وثيقة مع أمريكا. (أما مصر فلا يبدو واضحا إن كانت ستقتدر أن تلعب دورا فعليا ومتميزا رغم رغبة كل عربي صادق بذلك).
هذا يعني أن الكيان بمساعدة أمريكا يفترض أنه سيسعى لإعادة بناء نفسه بصورة أكثر استقلالية وتركيزا، لا سيما في مجالات الأمن والعسكر والاقتصاد، بما يعطيه مقومات الاستمرار البعيد ويعوض فشله السياسي وتراجع مكانته الدولية ومقبوليته. هو اليوم وفي المستقبل ستزداد بوجهه أزمة العجز على الجذب والاستقطاب الإقليمي والدولي، ما سيفرض عليه مزيدا من العسكرة وإسبرطة.
في الخلاصة، نحن أمام منطقة وإقليم يؤشر بقوة للنظام الدولي المتولد، يتجه نظامها ليُبنى على قواعد جديدة ستكون فيها القوى الإقليمية هي الأساس، لا سيما إيران وتركيا ونأمل أن تكون مصر أيضا. أما إسرائيل فأقصى ما يمكنها فعله، بينما تترقب التحول القسري في السياسة الأمريكية وناتج السنوات الثلاث المتواضع، أقصى ما يمكن فعله بالنسبة إلى راعيها الأمريكي هو العودة إلى الاعتماد على ذاتها أولا، كتحول في منظورها أمني التاريخي الذي اعتمد على الخارج الغربي أولا.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة