المرأة الجزائرية: من الحقوق القانونية إلى نسوية المواطنة الفاعلة


هذا الخبر بعنوان "المرأة الجزائرية …من التسوية الحقوقية إلى نسويّة المواطنة" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 16 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تؤكد الدكتورة سعيد مقدم في مقالها المنشور بتاريخ 16 أكتوبر 2026، أن الحديث عن المرأة المناضلة في الجزائر لا ينبغي أن يُفهم على أنه سعي وراء امتيازات خاصة، بل هو تأكيد على حقوق المواطنة الكاملة. فالمرأة الجزائرية تمتلك الكفاءة والإرادة والقدرة على المساهمة في بناء الدولة وتحديد أولوياتها وصناعة القرار على المستويين المحلي والوطني. تنطلق المقاربة من فكرة أن المساواة القانونية ضرورية لكنها غير كافية؛ فالرهان الحقيقي هو الانتقال من الاعتراف بالحقوق إلى ممارسة المواطنة الفعلية، ومن الحضور العددي إلى التأثير الحقيقي في القرار.
أولًا: المكتسبات القانونية والواقع الإحصائي للمشاركة النسوية
تُعد المشاركة النسوية في الحياة السياسية حقًا إنسانيًا ضروريًا لترقية العدالة والمساواة بين الجنسين، ولا يمكن إقامة الديمقراطية أو ضمان السلم أو ترقية التنمية المستدامة بدون مشاركة النساء التامة والمتساوية. وقد حان الوقت، كما توصل إليه منتدى النساء البرلمانيات في الندوة العالمية بمكسيكو (14-15 مارس 2025)، لتبني نموذج جديد للحكامة قائم على تقسيم السلطة على قدم المساواة بين الرجال والنساء، ضمن خطة ترتكز على ثلاثة أبعاد: التكافؤ في العدد، التكافؤ في التأثير والسلطة، وثقافة التكافؤ. وقد قطعت الجزائر أشواطًا في إقرار مبدأ المساواة وتكريس حق المرأة في المشاركة السياسية، مدعومة بالدستور والتشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية كـ "سيداو" (1996). إلا أن تقييم هذه المكتسبات يتطلب الانتقال من النصوص إلى النتائج العملية.
تُظهر المؤشرات تراجعًا في التمثيل البرلماني؛ فبعد أن بلغت نسبة تمثيل النساء في المجلس الشعبي الوطني 31.6% عام 2012، تراجعت إلى 25.8% في 2017، ثم 8.1% في 2021، لتصل إلى أقل من 7% (23 نائبة من أصل 407 مقعد) في تشريعيات يوليو 2026. هذا التراجع جعل الجزائر تحتل المرتبة 169 من أصل 184 بلدًا في تصنيف البرلمان الدولي لعام 2026. وعلى النقيض، تحتل الجزائر المرتبة 90 من أصل 190 بلدًا في تمثيل النساء في مجالس الوزراء (1 يناير 2026)، وهي الخامسة عربيًا. كما يبرز حضور المرأة الواسع في القطاعات التعليمية والصحية والقضائية؛ حيث تشكل النساء حوالي 60% من القضاة و50% من أساتذة الجامعات (31 ديسمبر 2023)، مما يعكس تطورًا نوعيًا في قدراتهن. وبلغ عدد النساء في المناصب العليا القيادية 887 من أصل 5563، ونسبة 35.74% من إجمالي الإطارات في المناصب العليا الوظيفية (15201 من 42536). وبشكل عام، تمثل المرأة حوالي 62% من إجمالي موظفي الوظيفة العمومية (1273691 من 2052792). وعلى مستوى المجتمع المدني، أحصت وزارة الداخلية عام 2021 وجود 833 جمعية وطنية ومحلية تنشط في مجال حماية المرأة وترقيتها، وبلغ عدد الجمعيات التي ترأسها نساء 3913 جمعية. هذه الأرقام تكشف عن مفارقة: حضور نسوي واسع في الوظيفة العمومية والتأهيل العلمي والمهني، يقابله تراجع في التمثيل البرلماني، مما يؤكد أن الكفاءة وحدها لا تكفي دون بيئة سياسية وتنظيمية داعمة.
ثانيًا: أسباب تراجع المشاركة السياسية للمرأة
يعود تراجع التمثيل النسوي إلى تداخل عوامل قانونية وسياسية واجتماعية وثقافية. على المستوى القانوني، يرجع المراقبون هذا التراجع بشكل رئيسي إلى تعديلين في قانون الانتخابات الجديد (مارس 2021): الأول هو "القائمة المفتوحة" التي تمنح الناخب صلاحية اختيار مرشحين بمعزل عن ترتيب القائمة، مما يضر بالمرشحات غالبًا. والثاني هو إتاحة استثناء للأحزاب لتقديم أقل من 30% من النساء ضمن قوائمها، مما أفرغ إلزامية الحصة النسوية من مضمونها.
على المستوى السياسي، تؤثر طريقة إعداد القوائم الانتخابية ومواقع المرشحات فيها، ومدى التزام الأحزاب بتمكين النساء من مواقع قابلة للفوز، فضلًا عن محدودية الموارد المتاحة لبعض المترشحات.
على المستوى الاجتماعي، لا تزال المرأة تتحمل نصيبًا أكبر من الأعباء الأسرية، وتستمر الصور النمطية التي تربط القيادة بالرجال. لذا، فإن تمكين المرأة يقتضي توفير شروط للمنافسة العادلة والوصول إلى مواقع التأثير، والانتقال من النسوية الحقوقية إلى نسوية المواطنة التي تجعل المرأة شريكًا في تحمل المسؤولية وصنع القرار.
ثالثًا: ما المطلوب من المرأة المناضلة لإنجاح الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟
تتطلب المرحلة المقبلة الانتقال من المشاركة الظرفية إلى العمل المنظم والمستمر. ويشمل ذلك:
إن نجاح المرأة المناضلة لا يُقاس فقط بحجم التعبئة، بل بقدرتها على بناء الثقة، وترسيخ الوعي السياسي، وإبراز الكفاءات، وتوسيع المشاركة المواطنة. فالرهان هو أن تكون المرأة شريكة في إعداد البرامج وصناعة القرار ومساءلة أصحاب السلطة.
رابعًا: من التمثيل العددي إلى التأثير الفعلي
التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة النساء على ممارسة صلاحياتهن والمشاركة في تحديد الأولويات وصناعة السياسات. تقع على الأحزاب السياسية مسؤولية توفير فرص منصفة للمناضلات وتمكينهن من مواقع متقدمة. كما يتعين على الجمعيات النسوية، ومنها الاتحاد الوطني للنساء الجزائريات، تعزيز التأطير والتكوين وإعداد القيادات النسوية. وتواجه المرأة تحديات اجتماعية وثقافية كالصورة النمطية وتعدد المسؤوليات الأسرية، مما يتطلب ترسيخ ثقافة المواطنة المتساوية وتعزيز التضامن المجتمعي.
تضعنا الأرقام أمام مسؤولية مشتركة: كيف نفسر التراجع في التمثيل البرلماني رغم الحضور الواسع للمرأة في التعليم والوظيفة العمومية؟ وكيف نحول الكفاءة النسوية إلى مشاركة سياسية فعلية ومؤثرة؟ الإجابة تبدأ بإرادة سياسية وتنظيمية جادة، وبمناضلات يمتلكن الوعي والكفاءة وروح المبادرة. يجب جعل الاستحقاقات المقبلة فرصة لتجديد أساليب العمل النسوي، وتكثيف التكوين والتواصل الميداني، وتعزيز حضور النساء في مواقع الترشح والقيادة، وترسيخ النزاهة والمصداقية.
المرأة الجزائرية التي أسهمت في معركة التحرير وبناء الدولة، مدعوة اليوم للإسهام الفعلي في صناعة القرار وترقية الحوكمة والتنمية. الانتقال من النسوية الحقوقية إلى النسوية المواطنة يعني أن تكون المرأة شريكة كاملة في الحقوق والواجبات، وفي تحديد الأولويات وصنع المستقبل. شعارنا العملي: لا نريد للمرأة أن تكون مجرد رقم في قائمة انتخابية، بل شريكة في إعداد البرنامج، وصناعة القرار، وممارسة المسؤولية، ومساءلة أصحاب السلطة. من منطق التسوية الحقوقية ننتقل إلى التسوية المواطنة، ومن المشاركة العددية إلى التأثير الفعلي، لتصبح المرأة شريكًا كاملًا في بناء دولة المؤسسات وتعزيز الحوكمة الديمقراطية وتحقيق التنمية المستدامة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة