باب المدرسة: مساحة أمهات يتشاركن تجارب الحياة والتربية


هذا الخبر بعنوان "أمام باب المدرسة… أمهات يجمعن تجارب متشابهة" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 18 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
باب المدرسة ليس مجرد نقطة عبور بين البيت والقسم، بل هو مساحة تختزل حكايات يومية تتداخل فيها مشاعر القلق والأمل، وهموم التربية مع تحديات الحياة. من هذه المساحة الإنسانية والاجتماعية، تستلهم الباحثة الجزائرية في علوم التربية، مليكة قاصدي، كتابها “حكايات الأمهات أمام باب المدرسة”، الصادر عن منشورات رومنس القرن 21 للنشر والتوزيع والترجمة. يفتح الكتاب ملفاً يتجاوز تفاصيل الحياة المدرسية ليطرح أسئلة أعمق عن الأمومة والتحولات التي تشهدها الأسرة الجزائرية.
سيُعرض الكتاب، المهتم بالأدب الاجتماعي والقضايا التربوية، في إطار الطبعة التاسعة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، بقاعة فلسطين. في هذا العمل، لا تظهر الأم كمجرد متلقية لأخبار المدرسة، بل كامرأة تخوض تجربة تعليمية موازية لمواكبة متطلبات الدراسة وفهم المناهج ومساعدة أطفالها على تجاوز صعوبات التعلم.
باب المدرسة… تجارب متشابهة وأسئلة مشتركة
يجدن الأمهات أنفسهن أمام دروس لم تعد يتذكرن تفاصيلها، أو مصطلحات تتطلب منهن البحث والسؤال، فيعدن إلى التعلم من جديد، ليس من أجل شهادة تخصهن، بل من أجل مستقبل أبنائهن. هنا تتجلى إحدى أبرز صور التضحية الصامتة للأم، فهي لا تكتفي بتوفير الاحتياجات اليومية، بل تتحول إلى رفيقة دربه الدراسي، تراجع معه الدروس، وتشاركه رهبة الامتحانات، وتستمد من نجاحه شعوراً بأن ساعات التعب لم تذهب سدى. الأمومة هنا تصبح تجربة تعليمية ثانية.
تمنح مليكة قاصدي، من خلال عنوان كتابها، قيمة رمزية لمكان يبدو عادياً. فالأمهات اللواتي يلتقين أمام أبواب المؤسسات التربوية لا تجمعهن انتظار الأبناء فحسب، بل تجارب متشابهة وأسئلة مشتركة تتعلق بالتفوق الدراسي، وصعوبات التعلم، والعلاقات مع المعلمين، وسبل توفير بيئة أفضل لنمو الأطفال. في هذا الفضاء، تتشكل شبكة غير رسمية لتبادل الخبرات، حيث تختصر نصيحة أم طريقاً طويلاً من الحيرة، وتمنح تجربة شخصية وسيلة للتعامل مع مشكلة ظنت الأسرة أنها تواجهها وحدها. يصبح باب المدرسة، خارج وظيفته اليومية، مكاناً للتواصل الاجتماعي وتبادل المعرفة، تتعلم فيه الأمهات بعضهن من بعض بقدر ما يسعين لتعليم أبنائهن.
يطرح هذا الدور المتنامي سؤالاً مهماً: إلى أي حد تستطيع الأسرة تحمل الأعباء التعليمية المتزايدة دون أن تتحول المرافقة المنزلية إلى ضغط نفسي على الأم والطفل؟ مسؤولية التعليم لا ينبغي أن تنتقل بالكامل من المدرسة إلى المنزل، ولا أن تصبح الأم مطالبة بأداء دور المعلم والمتابع النفسي والمنظم اليومي للمسار الدراسي.
الطريق إلى المدرسة… من يحرسه؟
أكد الدكتور مسعود بن حليمة، أستاذ علم النفس العيادي، أن حضور الأمهات اليومي أمام المدارس لا يقتصر على المتابعة الدراسية، بل يمتد إلى مسألة الأمن والطمأنينة. إصرار بعض الأولياء على مرافقة أطفالهم يعكس رغبة طبيعية في حمايتهم، لكنه يفتح الباب أيضاً أمام تساؤلات حول مدى استقلالية الطفل وحدود الحماية الأسرية وشعور الأولياء بالأمان في المحيط.
يحتاج الطفل إلى الرعاية، ولكنه يحتاج أيضاً إلى اكتساب الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية تدريجياً. بين الحماية والاستقلالية مساحة دقيقة تتطلب تعاون الأسرة والمدرسة والمجتمع، بدلاً من ترك الأم وحدها في مواجهة مخاوف الطريق ومخاطر المحيط. حضور الأم قد يكون تعبيراً عن الحب والحرص، ولكنه قد يكون أيضاً انعكاساً لواقع اجتماعي يدفع الأولياء إلى توخي الحذر. معالجة هذه المسألة تتطلب فهم الأسباب التي تجعل هذه المرافقة ضرورة في نظر الأمهات، والعمل على توفير بيئة آمنة تساعد الأطفال على النمو باستقلالية.
حين يصبح محيط المدرسة مرآة للسلوك الاجتماعي
تثير الحياة اليومية أمام بعض المؤسسات التربوية قضية احترام الفضاء العام. التجمعات التي تعيق حركة المارة، أو الأصوات المرتفعة، أو السلوكيات التي تتجاهل راحة الآخرين، كلها ممارسات تستدعي النقاش بوصفها مسألة تتصل بثقافة المواطنة والتربية على احترام المجال المشترك.
يرى أستاذ علم النفس العيادي والتربوي، مسعود بن جليمة، أن المكان الذي ينتظر فيه الأولياء أبناءهم يمكن أن يتحول إلى درس عملي في التربية. فالطفل الذي يشاهد والديه يحترمان الدور، ويتحدثان بهدوء، ويحافظان على نظافة المكان، يتلقى رسالة تربوية لا تقل أهمية عن الدروس داخل القسم.
باب المدرسة… تربية لا تنتهي عند جرس الانصراف
القيمة المستخلصة من موضوع “الأمهات أمام باب المدرسة” تتجاوز صورة الأم المنتظرة، لتصل إلى سؤال العلاقة بين الأسرة والمدرسة، وحدود المسؤولية المشتركة في بناء شخصية الناشئة. التعليم ليس عملية محصورة في الكتاب المدرسي، والتربية ليست مجرد توجيهات. إنها تجربة يومية تتشكل من المواقف الصغيرة، وطريقة الحوار داخل البيت، واحترام القواعد، والتعامل مع الاختلاف. تبرز هنا أهمية الشراكة الحقيقية بين الأولياء والمؤسسات التربوية، شراكة لا تقوم على تحميل طرف مسؤولية إخفاق الآخر، بل على تبادل الثقة والخبرات، وإيجاد قنوات تواصل فعالة، ومساعدة الطفل على التعلم دون إرهاق الأسرة أو إضعاف دور المدرسة.
يأتي كتاب مليكة قاصدي “حكايات الأمهات أمام باب المدرسة” ليمنح هذه التفاصيل اليومية فرصة للخروج من دائرة المألوف إلى فضاء القراءة والنقاش. فالحكايات التي تبدو بسيطة قد تكشف عن تحولات عميقة في بنية الأسرة، وعن أمهات وجدن أنفسهن أمام مسؤوليات متجددة، وعن مجتمع يحتاج إلى إعادة التفكير في معنى التربية وحدودها وشروط نجاحها.
الكتاب دعوة للنظر إلى الأم ليس كامرأة تنتظر انتهاء الدوام المدرسي، بل كفاعل أساسي في صناعة الوعي، وشريك في بناء المستقبل، وإنسانة تحتاج إلى الدعم والتقدير وتقاسم المسؤوليات. المدرسة الحقيقية لا تنتهي عند باب المؤسسة، والتربية لا تُقاس بما يحفظه الطفل من دروس فحسب، بل بما يتعلمه من سلوك الكبار. بين البيت والمدرسة، تظل الأم إحدى أهم الحلقات التي تصل المعرفة بالقيم، والنجاح بالمسؤولية، والحاضر بالأمل في مستقبل أفضل.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة