كيف نحمي شبابنا من الإلحاد؟ مواجهة التديّن المغشوش ضرورة فكرية


هذا الخبر بعنوان "“حتى لا ينحرف شبابنا نحو الإلحاد!”" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 19 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في ظل النقاشات الفكرية المتصاعدة على وسائل التواصل الاجتماعي، يلاحظ اتجاه عام لدى غالبية المستخدمين نحو الاعتزاز بالإسلام الأصيل، الذي يربط المسلمين بالله الواحد الأحد، ويؤسس لوحدة الأمة، ويدعو إلى التآزر والتناصر لحماية الإسلام وتبليغ رسالته للعالمين، وإخراج البشرية من ظلمات الأديان المحرفة والأفكار المنحرفة إلى نور الإسلام ومبادئه السامية التي تعلي شأن العقل المتحرر.
هذا هو الميل الغالب لدى معظم الشباب، لكن هناك اتجاهًا لدى البعض لتبني علمانية غير معلنة، تحصر الدين في النطاق الشخصي، كعلاقة خاصة بين العبد وربه لا علاقة لها بشؤون المجتمع. حتى أن بعض الشباب بات ينظر إلى واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أنه تطفل وتدخل في الأمور الشخصية، ويرفع شعار “دع الخلق للخالق” في وجه كل من ينتقد سلوكًا أو ظاهرة تخالف الشرع.
في خضم هذا التوجه الذي بدأ يتنامى بين فئة من الشباب محدودة الاطلاع وقصيرة الفهم لعلاقة الدين بالحياة، بدأت تطفو على السطح ظاهرة الإلحاد غير المعلن لدى بعض الشباب كرد فعل للواقع الصعب الذي يعيشونه وسط أمة يفترض أنها “مسلمة” ولكنهم لا يرون فيها شيئًا من مآثر الإسلام كالعدل والمساواة والعزة والكرامة.
لا شك أن الأسباب التي دفعت بعض شبابنا نحو الإلحاد كثيرة، منها ما يتعلق بحال الشباب وضعف حصانتهم وقلة علمهم، ومنها ما يتعلق بالظروف الصعبة التي يعيشون وسطها، ومنها ما يتعلق بواقع الأمة الذي لا يسر مسلمًا. ولكن لعل أهم سبب في نزعة الإلحاد الأخيرة هو هذا “التديّن المغشوش” الذي يعرض للمسلمين نسخة مزورة من الدين لا علاقة لها بالدين الحق الذي تنطق به آيات القرآن وتشهد له سيرة النبي العدنان وسير العلماء الأعلام على مر القرون. تديّن يسكت عن استشراء الظلم وانتشار الأثرة والمحاباة، وغياب العدل والمساواة، ويرى الأغنياء والمقربين يستأثرون بالخيرات والمناصب، بينما يؤخر الفقراء وأبناؤهم. ويرى صاحب الجاه والمنصب إذا أخطأ تُرك ووجد من يبرر له خطيئته، وإذا أخطأ الضعيف عُوقب ونُكّل به. تديّن مغشوش يرى كل هذا فلا يكتفي بالسكوت عنه، بل يساهم في صرف النظر عنه وربما يحرف نصوص الدين لتشريعنه وإطالة بقائه.
تديّن مغشوش، يغري أتباعه بالطعن في العلماء الربانيين والدعاة الصادقين والمصلحين العاملين، ويلهيهم بتتبع أخطاء هؤلاء عن دعاة الشر والفساد. تديّن يبالغ أتباعه في تقريع عوام المسلمين بأخطاء أكثرها من الصغائر، في الوقت الذي يسكتون فيه عن العظائم التي يقع فيها الخواص. وربما يصل بهم الأمر إلى شرعنة الخنوع للمعتدي الذي ينتهك العرض ويأخذ المال ويجلد الظهر، ويصححون ولايته ولو كان ممن يجاهر بالزنا وشرب الخمر.
تديّن مغشوش يخذّل رموزه وأتباعه عن قتال الكافر المعتدي المحتل لأرض المسلمين، ويحملون مسؤولية جرائمه للمقاوم والمرابط الذي ينتدب لتحرير أرضه والدفاع عن عرضه رغم قلة العدة والعدد. تديّن يبرر موقف المسلم الذي يخذل أخاه المسلم الذي يُحتل وطنه ويسفك دمه. لكن أتباع هذا التديّن المغشوش عندما يتعلق الأمر بقتال ينشب بين المسلمين، فإنهم يدقون طبول الحرب ويوقدون نيران الفتنة.
تديّن مغشوش يعلي من شأن القضايا الجزئية الصغيرة ويميت قضايا الدين والأمة الكبيرة، ويهتم بالمظاهر ويهمل الأخلاق والجواهر. حتى أنك تجد كثيرًا من أتباعه يبالغون في التأصيل والتنظير والجدال في مسائل تتعلق –مثلًا- بطول اللحية وحد القميص وما يجوز وما يحرم حلقه من الشعر، وأحكام المسح على الخفاف والجوارب وأنواع الإفرازات… حتى وصل الأمر بأحدهم إلى حد أنه -وفي خضم حرب الإبادة التي سلّطت على غزة- زعم أن المسلم يسأل في قبره إن كان يتنزه من بوله ولا يسأل عن فلسطين! في الوقت الذي لا يعيرون فيه أي اهتمام بقضايا الأمة الكبيرة، وإن تحدثوا فيها كان موقفهم – غالبًا- في صالح الأعداء. ولا يلتفتون لكبائر الذنوب المجمع عليها كالغيبة والنميمة وخذلان المسلم ومعاونة الكافر على المسلم وإخلاف العهد، بل إنك تجد هؤلاء المتدينين تديّنًا مغشوشًا يقعون في كثير من هذه الكبائر ولا يتوبون منها ولا هم يذكرون!
إنه لا عذر للشباب الذين يبررون لأنفسهم الجنوح إلى تبني العلمانية أو اعتناق الإلحاد بواقع هذا التديّن المغشوش، لأن الدين الحق بريء منه، كيف بدين الله الحق الذي تتواتر نصوصه ناطقة بالبراءة من هذه الانحرافات التي يقوم عليها التديّن المغشوش، والتي وقع فيها أهل الكتاب من قبل، وشنع عليهم القرآن بها وأنكرها عليهم أشد الإنكار. لا عذر لشبابنا في التعلل بواقع التديّن المغشوش، ولكن ينبغي أن ندرك أن مجابهة هذا النوع من التديّن أصبح واجباً متعيناً، لأنه أضحى من أهم أسباب انتشار العلمانية وتغلغل الإلحاد في أوساط الشباب. وهذا الواجب ليس متعيناً على كل الدعاة والناشطين على مواقع التواصل، إنما يكفي أن تضطلع به فئة منهم، حتى لا تشغل الأمة بمعارك داخلية عن معركتها الأهم مع الصهاينة والصليبيين المعتدين.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة