الربيع الأوروبي يتحول إلى خريف مرعب: فرنسا وسويسرا في قبضة الفوضى


هذا الخبر بعنوان "الربيعُ الأوروبي" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 23 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كشفت أحداث الشغب التي اجتاحت أوروبا، وبشكل خاص فرنسا، عن طبيعة الأزمات المتجددة، حيث يتغير الحال من يوم لآخر. أولئك الذين كانوا يراقبون ويحللون ويصدرون الأحكام من مواقعهم المريحة لما يحدث في العديد من البلدان العربية والعالمية، كان ينبغي لهم أن يدركوا أن المراقب قد يتحول بين عشية وضحاها إلى متفرج عليه، وهو ما يحدث الآن. والذين كانوا كلما عصفت أزمة في الشرق الأوسط أو اشتدت في أمريكا الوسطى أو أعلنت في كوبا وشمال إفريقيا، يخرجون بمقالاتهم متظاهرين بالتحفظ، ويتقمصون دور الطبيب لتشخيص الأوضاع بسبب أعراض مثل "الديكتاتورية وغياب الحريات والفقر وما شابه من أوجاع"، باتوا الآن عاجزين عن تشخيص حالتهم أو يستحون من ذكرها، لأن أسبابها قد تكون أفظع وأكثر إيلامًا.
إذا كانت فرنسا بالفعل رمزًا للازدهار، وشعارها "حرية ومساواة وأخوّة"، فلماذا يقوم أبناؤها بتخريب ما تم بناؤه وإدخال مدن كبرى في فوضى عارمة؟ وإذا كان شعار سويسرا الذي تفتخر به هو "الاتحاد والشجاعة والاستقلال والسلام والحياد"، فلماذا يريد أبناء هذا البلد "الحلم" أن يحولوه إلى كوابيس تهز أركانه؟ لقد ظننا، لكثرة الإشادة والتغزل بها، أن سويسرا تعني الملاك المطهّر من الخطأ، أو جنة الخلود الموعودة للصابرين.
تطل علينا الصحف الفرنسية يوميًا بعناوين تثير الشفقة، مثل "الخريف المرعب" و"العاصفة التي لا تهدأ" و"الطوفان الجارف"، وهي تبحث عن المفردات الشتوية والمظلمة والمؤلمة لوصف أحداث باريس والمدن الفرنسية الأخرى. لقد اضطرت الدولة الفرنسية إلى اللجوء إلى ما كانت تعيّر به غيرها من البلدان، وهو فرض حالة الطوارئ وحظر التجوال. قبل نحو 15 عامًا، كانت فرنسا تسمي كل مظاهرة في ليبيا أو طلق نار في سوريا أو زرع قنبلة في اليمن وغيرها من الدول، "ربيعًا عربيًا"، حتى انتشر المصطلح وأصبح مرادفًا للفوضى والدم والدموع.
الآن، وقد أصبحنا في الهم سواء، مع اختلاف في التاريخ والجغرافيا، أليس حان لهم أن يقتنعوا بأن من يتحسس الشوك هو من يدوس عليه فقط؟ لطالما احتضنت فرنسا الخارجين عن القانون في بلدانهم باسم الحرية والديمقراطية، ورفضت تسليم حتى الذين تسببوا في الدمار، فكانت النتيجة أنها اكتوت الآن ببعض مما كانت تسميه زورًا "حرية".
لقد قدمت لنا أوروبا منذ منتصف القرن الثامن عشر ثورتها الصناعية، من آلات البخار إلى عالم التكنولوجيا، ومن الإنصاف الاعتراف بما قدمته للبشرية في جميع المجالات. ولكن الغرور دفعها إلى احتلال البلدان الآمنة واحتقارها واعتبارها نموذجًا للتخلف، مما وسّع المسافة بين أوروبا وبقية الشعوب المنتمية لما يسمى العالم الثالث، بينما في الحقيقة، كلنا في العالم الثالث أو ربما الأخير.
يقول الإمام الشافعي: حسبي بعلمي إن نفع ما الذل إلا في الطمع من راقب الله رجع ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة