وفرة الإنتاج وسوء التوزيع: مفارقة الأنظمة الاقتصادية المعاصرة


هذا الخبر بعنوان "أزمات الوفرة في الإنتاج مع سوء التوزيع" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 26 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في حوار قديم، سألت طالبة المفكر البريطاني برنارد شو عن معنى "الاشتراكية". بعد شهر من التأمل، قدم لها شرحاً مفصلاً عن أسس العدالة الاجتماعية. وعندما استفسرت عن "الرأسمالية"، أجاب شو بسخريته المعهودة: "الرأسمالية هي... وفرة في الإنتاج، وسوء في التوزيع". هذه العبارة تلخص قانون التغير في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة.
تحمل الأنظمة السياسية والاقتصادية في طياتها بذور نهايتها، تماماً كما يفسد الحليب المعقم عند خلطه ببقايا حليب فاسد. إذا كانت المجتمعات الرأسمالية قد وعدت مواطنيها بحياة رغيدة وحريات وضمانات، فإن جذور التآكل متأصلة في تاريخها المبني على الصراع والظلم وحب السيطرة، وهي سمات ورثتها من المجتمعات البدائية ونشأة الملكية الخاصة، كما أشار إنجلز.
عانى منظرو الفكر الماركسي، مثل إنجلز، من "فيروس" حب الهيمنة وتناسي حلم العدالة، حتى مع المطالبة بالحريات. وعلى عكس النموذجين الأوروبيين الشرقي والغربي، خاضت دول العالم الثالث تجارب متنوعة في توزيع الثروة أو الاستحواذ عليها. المعادلة في هذه الدول غالباً ما تكون عكس المعادلة الرأسمالية، لكن النتيجة واحدة.
فبينما تقوم المعادلة الرأسمالية على "وفرة الإنتاج مع سوء التوزيع"، كما وصفها برنارد شو، تدعي الرأسمالية أنها النموذج الأمثل. وعلى نحو مماثل، تدعي الشيوعية أن النموذج المادي الاشتراكي سيحول حياة المواطنين إلى جنة أرضية، بناءً على قاعدة "لكل حسب عمله" وصولاً إلى "لكل حسب حاجته".
لكن وعود الوفرة وحسن التوزيع تبين أنها أحلام قد تتحول إلى كوابيس. فالحلم والواقع يتشابكان ويتأثران بمتغيرات إنسانية وطبيعية تتغير باستمرار. كل شيء يتغير: البيئة، الإنسان، الأفكار، بفعل التراكمات والزمن والمكان. ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بالمستقبل إلا من خلال استشعار عيوب البشر الذين يشكلون القوة الدافعة للتغيير.
أما نموذج العالم المتخلف، مقارنة بالعالم المتقدم اقتصادياً، فيقوم على قاعدة "قلة في الإنتاج مع سوء التوزيع". وهذا ما يؤدي إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في دول العالم الثالث، وفقاً للمعادلة المدمِّرة التي أكد عليها ابن خلدون بقوله: "العدل أساس الملك"، أي العدالة الاجتماعية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد