تسعديت ياسين تدعو إلى تحرير الفرنسية من عباءة الاستعمار: جدل حول الهوية واللغة في الجزائر


هذا الخبر بعنوان "الأستاذة تسعديت ياسين تُوصِينَا خيرًا باللغة الفرنسية!" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 28 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تثير الأستاذة تسعديت ياسين، المتخصصة الجزائرية في علم الإنسان (الأنثروبولوجيا)، جدلاً واسعاً بتوصياتها بشأن اللغة الفرنسية في الجزائر. ياسين، التي ولدت عام 1949 وتقيم في باريس منذ عقود، تشغل منصب مديرة دراسات في مدرسة الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية (EHESS) بباريس، وتشتهر بتخصصها في الثقافة البربرية وقضايا اللغة. كما تدير مجلة “أوال” (Awal) التي أسستها عام 1985 بالاشتراك مع الراحل مولود معمري، ولها مؤلفات منها “سارقو النار” و”ابن آوى أو مكر المقهورين” و”إن كنتَ تحبني فاشفني”.
في مقال حديث لها بصحيفة “لوماتان دالجيري” (Le Matin d’Algérie)، تحت عنوان “حول الاستعمال الجيد للفرنكوفونية، أو فنّ تحرير الفرنسية من الاستعمار”، دعت ياسين الجزائر إلى التعامل مع اللغة الفرنسية بذكاء واعتبارها لغة أساسية، واصفة إياها بـ “لغة غنيمة حرب” نظراً لتجذرها في الوعي الجزائري. وأكدت أن الفرنسية لم تعد لغة المستعمر، داعية إلى التحرر من عقدة الاستعمار المرتبطة بها.
“الجزائر تتجرّد مما اكتسبته بالدم والموت”
استهلت ياسين مقالها بالقول: “بلد [الجزائر] أنهكته 132 سنة من الاستعمار، وعرف انتفاضات وثورات وحروبًا عديدة، ولم يتردد في أن يتخذ لغة الآخر سلاحًا للتحرير، بعد أن تجاوز كل العقبات الأيديولوجية والعقائدية لينال سيادته. وها هو الآن، بعد قرنين تقريبًا، يتجرّد مما اكتسبه بالدم والموت”. وأضافت أن “المنغلقين على لغة واحدة، الحريصين على إرضاء أنانيتهم، والمسكونين بنزعة محافظة تاريخية، والمفتونين بقوالب عتيقة أنكلوسكسونية، قرّروا بعد الاستقلال تحويل بلد فتِيّ نابض بالحياة إلى متحف نموذجي على صعيد العادات والأخلاق، لا على صعيد التكنولوجيا”. ترى الكاتبة أن هؤلاء أرادوا الحفاظ على العادات والتقاليد والأخلاق البالية كأساس للهوية، على حساب التقدم العلمي والتكنولوجي.
وختمت مقالها بالقول: “في الختام، يندرج هذا القرار “المبيد للثقافة” ضمن استعمار داخلي يهدف إلى إفراغ الجزائر من نخبتها، الأكثر إبداعًا والأكثر التزامًا بالدفاع عن مصالحها الثقافية وعن الذاكرة، وذلك لإغراق الجزائر في الظلامية والجهل”.
نقد لخطاب ياسين
يُنتقد خطاب ياسين بأنه أيديولوجي دفاعي وليس تحليليًا، ويبني أفكاره على مغالطة تاريخية بجعل الفرنسية “سلاح تحرير” متجاهلاً دورها كأداة هيمنة وازدواجية اجتماعية. كما يُتهم مؤيدو تنويع اللغات بالانغلاق والأنانية والافتتان بالأنكلوسكسونية، بدلاً من مواجهة الحجة بالحجة. وتُعتبر عبارتي “الإبادة الثقافية” و”الاستعمار الداخلي” تزييفًا مفاهيميًا، فالفرنسية لم تُحذف والعربية باقية، والقرار سيادي. ويتجاهل الخطاب الدوافع العملية لخيارات التربية والتعليم، مثل كون الإنكليزية لغة العلم والبحث، وتراجع الفرنسية نسبيًا في الجزائر والعالم. ويُرى أن خطاب “مقاومة الاستعمار” يفرض وصايته ويحوّل النقاش حول التعليم والاقتصاد إلى اختبار للوطنية، وهو دفاع عن موقع سلطة نخبة فرنكوفونية بلغة الضحية، وانحطاط فكري يستبدل البرهان بالتخوين والتهويل.
“لغات تحمل في ذاتها خطيئة الاستعمار”
في فقرة أخرى، تقول ياسين: “أن نتبنّى الإنكليزية، لغةً إضافية، لغةً فرضت نفسها على مرّ السنين، لغةً «علمية» وعالمية، فهو في حدّ ذاته مكسب طيّب، وانفتاح على عالم أرحب. لكن أن نذهب من ذلك إلى الاعتقاد، وإلى جعل الناس يعتقدون، بأن هناك لغات تحمل في ذاتها خطيئة الاستعمار ولغات أخرى لا تحملها فذلك بمثابة محاولة إخفاء الشمس بالغربال”.
يُعتبر مضمون هذه الفقرة مضللاً، حيث يُنسب إلى الخصم ادعاءً لا يقوله أحد، وهو أن اللغات تحمل خطيئة استعمارية، بينما النقاش الحقيقي يدور حول الإرث المؤسسي للفرنسية وهيمنتها في الإدارة والتعليم، لا عن “روح” اللغة. وتخلط الكاتبة بين تبني الإنكليزية كلغة إضافية ونقد احتكار الفرنسية، فتنتقل من مسلّمة إلى رد على خصم مختلق. واستعارة عبارة “إخفاء الشمس بالغربال” تُستخدم للتهرب من الأسئلة العملية حول كيفية إدراج الإنكليزية، ومن يستفيد منها، وما العمل لتجنب هيمنة أخرى.
علم الاجتماع وعلم الأعراق
بخصوص علم الاجتماع، تشير ياسين إلى أن قرار إزاحة الفرنسية يشبه سياسات السبعينيات التي اعتبرت علم الاجتماع علماً استعمارياً لا ينبغي تدريسه. وتحيل إلى مقال لمولود معمري حول “تجربة أنثروبولوجية في الجزائر”. المفارقة تكمن في أنها تختتم الفقرة بالإشارة إلى انسحاب الأساتذة الفرنكوفونيين من العلوم الاجتماعية التي عُرّبت جزئيًا، وأن الجهات السياسية لم تدرك خطورة ذلك إلا بعد وقت طويل. هذا التناقض يُظهر تبسيطاً مخلّاً بالتاريخ، أقرب إلى الكاريكاتور منه إلى التحليل. الادعاء بأن المسؤولين الجزائريين أعلنوا أن علم الاجتماع علم استعماري لا يستند إلى مرجع محدد.
يبدو أن الكاتبة تخلط بين علم الاجتماع وعلم الأعراق (الإثنولوجيا) الاستعماري، الذي سُخّر لخدمة مصالح الهيمنة الفرنسية. علم الأعراق يدرس الأصول والجذور والأعراق والدين واللغة والبنية الاجتماعية للمجموعات العرقية، وكان سنداً للغزاة. بعد التحري، يبدو أن الكاتبة تقصد ما ورد على لسان وزير التعليم العالي والبحث العلمي آنذاك، محمد الصديق بن يحيى، في افتتاح المؤتمر الرابع والعشرين لعلم الاجتماع بالجزائر عام 1974. فقد انتقد بن يحيى علم الأعراق الاستعماري، معتبراً إياه متقادمًا وضعيف الصلاحية علميًا، وأنه كان يوفر معلومات لتبرير الغزو. في المقابل، أشاد بعلم الاجتماع كسلاح لتحرير شعوب العالم الثالث. الخلط بين علم الاجتماع وعلم الأعراق، وعدم الرجوع إلى التصريحات الرسمية، يضعف حجج الكاتبة.
أخطاء نحوية ومطبعية وتاريخية
يُضعف إهمال الكاتبة لمصداقيتها بسبب الأخطاء النحوية والمطبعية والتاريخية في مقالها، والتي بلغت حوالي 41 خطأً. شملت الأخطاء أسماء أعلام مثل كتابتها Olivier Leclerc بدل Xavier Le Clerc، وMouhoud Mouhoud بدل El Mouhoub Mouhoud، وBorjes بدل Borges. كما يُلاحظ غياب ذكر الدور التاريخي للدين الإسلامي كسند للغة العربية، مما يبتر التحليل ويوجه النص نحو قراءة انتقائية للمسألة اللغوية الجزائرية. تتحمل الصحيفة مسؤولية تحريرية ثقيلة لترك هذه الأخطاء، مما يضر بمصداقية المقال ويدعم الشكوك حول كون معالجة الموضوع محكومة باعتبارات أيديولوجية.
ثقافة
ثقافة
اقتصاد
ثقافة