فضيلة الدزيرية وفريدة صابونجي: فنانتان جمعهما الفن والنضال من أجل الوطن


هذا الخبر بعنوان "أيقونتان جمعهما الفن وزنزانة سركاجي من أجل الوطن" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 28 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كان الجيل الأول من الفنانين، برجاله ونسائه، استثنائياً بكل المقاييس. فالفن آنذاك كان وجهاً آخر للنضال الوطني الذي دافع عن هوية أمة. ولم يكن غريباً أن تتشابك مسارات الحياة بين أيقونتين لم تجمعهما صلة قرابة أو صداقة، بل جمع الفن بين قلبيهما المثقلين بقضية الوطن والحرية. الشروق العربي يسلط الضوء على مسارين مختلفين في الشكل، لكن متطابقين في الجوهر: سيدة الحوزي فضيلة الدزيرية، وسيدة المسرح والشاشة فريدة صابونجي.
رغم أن التاريخ قد يحفظ فضيلة الدزيرية كصوت للحوزي لا يتكرر، وفريدة صابونجي كنجمة تمثيل لا تعوض، ورغم أن التاريخ لم يذكرهما معاً في مقام أو مقال، إلا أنهما تنتميان في الواقع إلى كوكبة فنية واحدة. استقطب عميد المسرح محيي الدين بشطارزي الفنانة فضيلة الدزيرية، التي تكبر فريدة بـ 13 عاماً، ليس كمغنية في جولاته فحسب، بل كقامة تمثيلية وقفت إلى جانب عمالقة الفن مثل كلثوم، رشيد قسنطيني، ومحمد توري. وهي ذات الأسماء التي واكبت بدايات الشابة فريدة صابونجي بعد سنوات قليلة. كلتاهما كانت تحت جناح عباقرة الفن، تركبان الأماني والأحلام في جولات فنية امتزجت فيها كل الفنون تحت راية واحدة.
بعد اندلاع الثورة التحريرية المجيدة، تجلت اللحمة الحقيقية بين الفنانتين في ساحة النضال. فعندما أعلنت جبهة التحرير الوطني إضراب الأيام الثمانية التاريخي (من 28 جانفي إلى 4 فيفري 1957)، لإيصال صوت القضية الجزائرية إلى هيئة الأمم المتحدة، ضربت فريدة صابونجي وفضيلة الدزيرية أروع مثال للتلاحم، وكانتا في طليعة شبكة مكونة من نحو ثلاثين امرأة فنانة، إلى جانب أيقونات الفن الجميل مثل عويشة، جميلة، نصيرة، لطيفة، وشريفة ونورية. تلخصت مهمتهن في التواصل مع العائلات، التوعية بأهداف الثورة السامية، ومساعدة المحتاجين في ظل الرعب والرقابة الاستعمارية المشددة في قلب معركة الجزائر.
كُلفت فضيلة الدزيرية، برفقة أختها “قوسم”، بجمع الأموال لصالح الثورة، ليتم اعتقالها واحتجازها في سجن بربروس “سركاجي”، حيث شاركت زنزانتها مع صديقتها المناضلة زبيدة دهابة، رفيقة درب المجاهدة الكبيرة لويزة إيغيل أحريز. وخلف القضبان، لم تصمت فضيلة، فقد كانت شعلة أمل للأسيرات والمحكوم عليهم بالإعدام، وهي تشدو برائعتيها: “يا من قلبك حزين” و”يفرج ربي”. وتتلاقى خطوط الحياة مجددا، بين فضيلة وفريدة. ففي العام ذاته، أي عام 1957، ذاقت فريدة صابونجي من كأس الظلم ومرارة الاعتقال، ضمن حملة القمع نفسها التي طالت فضيلة الدزيرية، وتعرضت في سجنها للاستنطاق من طرف المستعمر الفرنسي.
بعد الإفراج عنها، لم تتراجع فضيلة الدزيرية؛ بل أسست فرقة موسيقية نسوية خاصة بها، ضمت أختها “قوسم” على الدربوكة، ورينات داوود المعروفة بـ رينات الوهرانية على الكمان، وابنة أختها آسيا على البيانو، كرسالة واضحة بأن جدران السجن لم تهزم سيدة الحوزي الأولى. وحينما تكونين سيدة الفن، على غرار فريدة صابونجي، لا يسعك إلا أن تقودي حملة إعمار جديدة بالفن والثقافة، فشهدت عودتها بعد الاستقلال إلى الشاشات والمسارح، انطلاق مسيرة فنية زاخرة امتدت لخمسين سنة.
رحلت فضيلة الدزيرية في 6 أكتوبر 1970، ببيتها في شارع حسين عسلة بالعاصمة، بعد أن أحيَت كما يُقال “بمحبة خاطر” أعراس جميع بنات حيها، بينما واصلت فريدة صابونجي عطاءها الفني، حتى مشارف أواخر العشرينيات من القرن الحالي، كآخر الشاهدات على جيل فنانات الرعيل الأول اللواتي جمعن بين خشبة المسرح وواجب الوطن.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة