الجزائر
تكنولوجيا

الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة في سوق العمل الجزائري: رهان على مهارات المستقبل وتطوير الكفاءات

الشروق أونلاين28 أكتوبر 2026 في 03:22 م0 مشاهدة
الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة في سوق العمل الجزائري: رهان على مهارات المستقبل وتطوير الكفاءات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الذّكاء الاصطناعي يُعيد رسم خريطة المهن في الجزائر… رهان على مهارات المستقبل" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 28 أكتوبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد مجال للبحث العلمي أو أداة لتطوير الحلول التكنولوجية، بل أصبح عاملاً مؤثراً في رسم ملامح الاقتصاد العالمي وإعادة تحديد احتياجات سوق العمل، مما يفرض على منظومات التعليم والتكوين المهني إعادة النظر في المهارات المطلوبة للمستقبل. وفي هذا السياق، نظمت الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات، بالتعاون مع المدرسة العليا للذكاء الاصطناعي بسيدي عبد الله بالعاصمة، ورشة عمل دولية لبحث انعكاسات هذه الثورة التكنولوجية على عالم المهن والوظائف، واستشراف التحولات المنتظرة في سوق العمل الجزائري.

في الجزائر، حيث تتسارع خطوات التحول الرقمي وتتزايد الحاجة إلى تنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة، ناقش الخبراء سبل تحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد تقنية مستوردة إلى رافعة حقيقية للتنمية الوطنية. وفي هذا الصدد، أوضح خبير الذكاء الاصطناعي، البروفسور جمال بوشفرة، أستاذ بجامعة باريس، أن الذكاء الاصطناعي التوليدي، بقدرته على كتابة النصوص وإنتاج الصور وتحليل المعلومات، يمثل تحولاً لافتاً. أما الذكاء الاصطناعي الوكيلي، فيفتح مرحلة أكثر تقدماً، حيث لا يكتفي بتقديم الإجابات، بل يستطيع التخطيط لسلسلة من المهام، واستخدام الأدوات الرقمية، ومتابعة تنفيذ العمليات لتحقيق هدف محدد. وبشكل مبسط، يمكن للذكاء الاصطناعي التوليدي مساعدة موظف جزائري على إعداد تقرير تجاري بسرعة، بينما يمكن للنظام الوكيلي، عند ربطه بالأنظمة المناسبة ومنحه الصلاحيات اللازمة، متابعة بيانات المبيعات، واكتشاف التغيرات في الطلب، وإعداد ملخصات دورية، واقتراح إجراءات للمؤسسة. يكمن التحول الحقيقي في إعادة تنظيم سلسلة كاملة من الأعمال، من جمع المعلومات إلى تحليلها، ومن اتخاذ القرار إلى متابعة التنفيذ.

تأتي هذه التحولات في وقت تعمل فيه الجزائر على تعزيز مسار الرقمنة وتطوير منظومتها الوطنية للذكاء الاصطناعي. ففي سبتمبر 2026، أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عن خطوات لمتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي، شملت التحضير لإنشاء مركز وطني للبحث في الذكاء الاصطناعي والبيانات، وبرمجة مشاريع تطبيقية، إلى جانب هدف تكوين 50 ألف مختص في هذا المجال بحلول عام 2030. وتشمل الخطط المطروحة تطوير أنظمة لغوية وتطبيقات تخدم قطاعات وطنية مختلفة. ويرى البروفسور بوشفرة، عضو الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيا، أن الرهان لم يعد مقتصراً على مواكبة التطور التكنولوجي، بل يمتد إلى بناء كفاءات وطنية وتطوير حلول تتلاءم مع احتياجات المؤسسات والإدارة والمواطن الجزائري. ولن يقاس نجاح هذا المسار بعدد المنصات الرقمية أو البرامج التي يتم إطلاقها فحسب، بل بمدى انعكاسها على الإنتاجية، وجودة الخدمات، وقدرة الاقتصاد على خلق قيمة مضافة ومناصب عمل مستدامة.

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يغير طريقة إنجاز العديد من المهام اليومية في المؤسسات الجزائرية، سواء كانت عمومية أم خاصة، شريطة أن تكون جميع البيانات مرقمنة. في الإدارات، قد تسهم الأدوات التوليدية في تلخيص الملفات وصياغة المراسلات وتصنيف الوثائق، بينما يمكن للأنظمة الوكيلية مساعدة في متابعة الإجراءات والطلبات وربط مراحل العمل الرقمية، مع ضرورة توفير البيانات الدقيقة والرقابة البشرية المناسبة. وفي المؤسسات الاقتصادية، يمكن لهذه التقنيات تحليل المبيعات، وتحسين إدارة المخزون، وتوقع احتياجات الزبائن، وتسريع خدمة العملاء. أما في الصناعة، فيمكن توظيفها لدعم مراقبة الجودة، وتحليل بيانات المعدات، والمساعدة على توقع الأعطال قبل حدوثها. وفي قطاع الفلاحة، قد تساهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل بيانات الطقس والتربة والري، ومساعدة الفلاحين على اتخاذ قرارات أكثر دقة. كما أتاح الذكاء الاصطناعي متنفساً جيداً للتجارة الإلكترونية والخدمات، حيث استفادت المؤسسات الصغيرة والناشئة من إمكاناته في التسويق، وإعداد المحتوى، وتحليل سلوك الزبائن، وأتمتة المهام المتكررة، مما كان يتطلب سابقاً فرقاً أكبر وموارد مالية أعلى.

يؤكد خبير الذكاء الاصطناعي، الأستاذ جمال بوشفرة، أن التحدي الحقيقي أمام الجزائر ليس منع التكنولوجيا عن بعض المهن والوظائف، ولا ترك سوق العمل يتكيف معها بصورة عشوائية، بل استباق آثارها من خلال التكوين المستمر، وإعادة تأهيل العمال، وتطوير منظومة التعليم والتدريب المهني، وتشجيع المؤسسات على تبني التحول الرقمي بطريقة مسؤولة.

من جانبه، قال رئيس الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات، الأستاذ محمد هشام قارة، إن الشباب الجزائري لديه فرصة مهمة للاستفادة من هذه المرحلة، خاصة في مجالات البرمجة، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، وتطوير التطبيقات، والتسويق الرقمي، وبناء الوكلاء الذكيين. واغتنام هذه الفرصة لا يتطلب من الجميع أن يصبحوا مهندسي ذكاء اصطناعي؛ فالمحاسب الذي يتعلم استخدام الأدوات الذكية في التحليل، والصحفي الذي يوظفها في تنظيم المعلومات والتحقق منها، والمسوق الذي يستفيد منها لفهم الجمهور، وصاحب المؤسسة الصغيرة الذي يستخدمها لتحسين خدمة زبائنه، جميعهم قادرون على تعزيز قدراتهم المهنية. والأهم هو الانتقال من الاكتفاء باستخدام التطبيقات الجاهزة إلى تطوير حلول تعالج مشكلات محلية حقيقية، كتسهيل الخدمات الإدارية، ودعم المؤسسات الصغيرة، وتحسين الخدمات التعليمية، ومرافقة الفلاحين، وتطوير أدوات تفهم العربية والدارجة الجزائرية والأمازيغية، مع احترام خصوصية المجتمع واحتياجاته.

ويرى الأستاذ قارة أن قيمة التكنولوجيا لا تكمن في حداثتها فقط، بل في قدرتها على حل المشكلات وخلق فرص اقتصادية ملموسة. وتواجه المؤسسات الصغيرة والناشئة فرصة لتقليص الفجوة، لكن الاستفادة من هذه الإمكانيات التكنولوجية ليست تلقائية، إذ تتطلب اتصالاً موثوقاً بالإنترنت، وتكويناً مناسباً، وبيانات منظمة، واختياراً دقيقاً للأدوات، فضلاً عن حماية المعلومات التجارية والشخصية.

خلال الورشة الدولية التي بحثت سبل تحويل التحولات التكنولوجية إلى فرص للشباب، تطرق خبراء في الذكاء الاصطناعي إلى السيادة الرقمية، مؤكدين أنه من يملك البيانات يملك جزءاً من المستقبل. فلا يمكن الحديث عن الذكاء الاصطناعي في الجزائر دون التطرق إلى مسألة السيادة الرقمية؛ فبناء اقتصاد ذكي لا يعتمد فقط على امتلاك التطبيقات، بل أيضاً على امتلاك المعرفة، وتطوير البنية التحتية، وحماية البيانات، وتأهيل الموارد البشرية. وكلما استطاعت المؤسسات الجزائرية تنظيم بياناتها وتطوير حلول ملائمة لبيئتها القانونية واللغوية والاقتصادية، ازدادت فرصها في الاستفادة من هذه التقنيات دون التفريط في استقلالية قراراتها أو أمن معلوماتها.

وأشار الخبراء إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في بناء الإنسان قبل اقتناء التكنولوجيا، على أن يشمل التكوين مختلف الفئات المهنية، لا المتخصصين التقنيين وحدهم، لأن التحول سيطال المحاسبة والإدارة والصحافة والتجارة والتعليم والصناعة وغيرها من المجالات. والرهان، بحسب الأستاذ محمد هشام قارة، ليس في تخريج عدد أكبر من مستخدمي الأدوات الذكية فحسب، بل إعداد جيل قادر على فهمها، وتوجيهها، ومساءلة نتائجها، وتطوير بدائل محلية عندما تقتضي الحاجة. فالذكاء الاصطناعي التوليدي والوكِيلي يفتحان أمام الجزائر آفاقاً واسعة لتحديث المؤسسات، وتحسين الإنتاجية، ودعم الابتكار، وخلق أنشطة اقتصادية جديدة.

شارك الخبر: