الجزائر
ثقافة

البليدة تحتفي بالخريف: موسم الحمضيات والمربى وتجفيف كنوز الطبيعة

الشروق أونلاين2 نوفمبر 2026 في 03:56 م0 مشاهدة
البليدة تحتفي بالخريف: موسم الحمضيات والمربى وتجفيف كنوز الطبيعة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "موسم الحمضيات والمربى وتجفيف “عولة” الطبيعة" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 نوفمبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مع حلول فصل الخريف، تتزين مدينة البليدة بأجواء مميزة تفوح بعبق البرتقال ورائحة الأعشاب العطرية، معلنةً عن بداية موسم الحمضيات وتحضير المربيات وتجفيف خيرات الطبيعة. لا يقتصر قدوم الخريف في البليدة على تغيرات الطقس فحسب، بل يتجلى في استعدادات البيوت لاستقبال موسم جديد من خيرات الأرض. تبدأ روائح الحمضيات بالانتشار تدريجياً في الأسواق والمنازل، حيث يُحوّل البرتقال واليوسفي والليمون إلى عصائر ومربيات ومُصبرات. وفي الوقت نفسه، تُفتح أكياس الأعشاب المجففة التي جُمعت في مواسمها، لتكون جاهزة للاستخدام في الطهي مع اشتداد برودة الأطلس البليدي.

في منطقة متيجة، لا يُعد الانتقال من الصيف إلى الخريف مجرد تغيير في التقويم، بل هو تحول من موسم الاستهلاك الطازج إلى موسم الاستفادة من فائض المحاصيل. فما تجود به البساتين في وقته يُستخدم في وصفات منزلية متعددة، بينما تُجفف الأعشاب وتُرتّب لاستخدامها في الأشهر اللاحقة. لطالما ارتبط سكان المنطقة بالأرض بعلاقة تتجاوز الإنتاج الزراعي، لتؤسس لعادات غذائية وثقافية متوارثة، لعبت فيها الأسرة، وخاصة النساء، دوراً محورياً في تحويل المنتجات الفلاحية إلى أطعمة منزلية تربط المطبخ بالبيئة المحلية.

تشكل الحمضيات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الثقافية والغذائية للمنطقة، فهي ليست مجرد محصول زراعي. فقد أُحصي في حقول متيجة 44 صنفا ضمن مجموعات تشمل الكلمنتينا، المندرين، البرتقال، الليمون، والليمون البري. اللافت أن الموسم يبدأ بأصناف مبكرة، تتبعها بقية أنواع الحمضيات تباعاً. يبدأ المشهد الخريفي في متيجة من البستان ليصل إلى المطبخ: صناديق الحمضيات في الأسواق، روائح البرتقال، التشوينة، الرنج، السفرجل، واليوسفي في الأزقة، ثم كميات تُشترى لتحضير وصفات منزلية متنوعة. للمربى مكانة تتجاوز فكرة التحلية، فهو جزء من تقاليد الضيافة والتدبير المنزلي، حتى أن الثقافة الشعبية المحلية حفظت عبارة: “برج معجون أحسن من كاس قازوز”، تأكيداً على مكانة المربى التقليدي في الضيافة البليدية.

لا تقتصر رائحة الخريف البليدي على البرتقال فحسب، ففي البيوت التي ما زالت تحافظ على تقاليد المونة، توجد “عولة” أخرى أقل بريقاً من جرار المربى، لكنها حاضرة بقوة في المطبخ: الأعشاب المجففة. الزعتر، الزعيترة، الإكليل، النعناع، ونباتات عطرية أخرى تتجاوز كونها وصفات طبية شتوية. فقد عرف المطبخ التقليدي في المنطقة تجفيفها لاستخدامها لاحقاً في إعداد الأطباق والمشروبات. تكتسب هذه العادة معنى أكبر في البليدة نظراً للموقع الجغرافي للمنطقة وتنوع الغطاء النباتي في الأطلس البليدي. أظهرت دراسة إثنوبوتانية أُجريت في منطقة حمام ملوان بولاية البليدة اعتماد السكان المحليين على عدد كبير من النباتات الطبية، حيث أحصت الدراسة 110 أنواع تنتمي إلى 46 عائلة نباتية، مع حضور واسع للنباتات التي تستخدم في صورة منقوعات ومغليات. يفسر هذا التنوع النباتي جانباً من خصوصية المطبخ البليدي، حيث لا تنفصل المعرفة بالنبات عن الخبرة في الطهي، فالعشبة قد تكون توابلاً في طبق، أو عنصراً في وصفة تقليدية، أو مادة تُجفف للاستعمال في الموسم البارد.

لا تكتمل صورة الخريف البليدي دون أسواق المدينة القديمة. في محيط “بلاصة العرب” والأسواق الشعبية، لا تزال الأعشاب والحشائش والتوابل والمنتجات المنزلية جزءاً من المشهد التجاري التقليدي. تُعرض منتجات مثل البركوكس، الرشتة، مقارون لعمى، و”الحمامة”، بالإضافة إلى منتجات أخرى مرتبطة بالمطبخ المحلي، كالتين المجفف وزيت الزيتون وماء الزهر. تؤدي هذه الأسواق وظيفة تتجاوز البيع والشراء، فهي غالباً ما تكون مكاناً لاستمرار الذاكرة الغذائية. لا تكتفي المرأة بشراء عشبة أو ثمرة، بل تسأل أيضاً عن طريقة استعمالها وما الذي يمكن أن تخلط به، وهي أسئلة تحفظ وصفات لا توجد دائماً في كتب الطبخ.

شارك الخبر: