الجزائر
ثقافة

أحمد طالب الإبراهيمي: إرث سياسي وفكري يحتفى به في معرض الجزائر الدولي للكتاب

الشروق أونلاين3 نوفمبر 2026 في 03:10 م0 مشاهدة
أحمد طالب الإبراهيمي: إرث سياسي وفكري يحتفى به في معرض الجزائر الدولي للكتاب

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أحمد طالب الإبراهيمي يعود هذا الأسبوع بإرثه السياسي والفكري" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 3 نوفمبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في إطار فعاليات الدورة السادسة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، احتضنت قاعة المحاضرات «آسيا جبار»، يوم الاثنين، ندوة فكرية بعنوان «أحمد طالب الإبراهيمي.. مسارات». شارك في الندوة عدد من الأساتذة والمفكرين والباحثين، الذين استعادوا محطات من المسار النضالي والسياسي والفكري والدبلوماسي للراحل، وأبرزوا إسهاماته في بناء مؤسسات الدولة الجزائرية بعد الاستقلال.

الدكتور أحمد عظيمي توقف عند تعدد أوجه شخصية أحمد طالب الإبراهيمي، متسائلاً عن طبيعة الحديث عنه: هل هو الطبيب، المناضل، الوزير، الدبلوماسي، أم الباحث؟ معتبراً أن هذه الصفات اجتمعت في رجل واحد، وأن مساره يعكس تعدد المسؤوليات التي اضطلع بها خلال مراحل مختلفة من تاريخ الجزائر. واستعاد عظيمي ظروف التحاق الإبراهيمي بالعمل الحكومي عام 1965، عندما اتصل به الرئيس الراحل هواري بومدين لعرض الانضمام إلى أول حكومة بعد توليه السلطة. أبدى الإبراهيمي تحفظاً، مذكراً بكونه الطبيب الجزائري الوحيد في مستشفى مصطفى باشا آنذاك، وبحاجة الجزائريين للكفاءات الطبية، قائلاً لبومدين إنه يمكنه إيجاد عشرات المرشحين لمنصب وزير، لكنه لن يجد بسهولة أطباء جزائريين لتعويض النقص في المستشفيات بعد استقلال 1962. أقنعه بومدين في النهاية بتولي وزارة التربية الوطنية، معتبراً ذلك امتداداً لرسالة والده، العلامة الراحل محمد البشير الإبراهيمي، الرئيس الثاني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في مجال التعليم والتربية.

تولى أحمد طالب الإبراهيمي حقيبة التربية الوطنية، وواجه من أولى مهامه التحضير للدخول المدرسي لسنة 1967، والعمل على توفير مقعد دراسي لكل طفل جزائري. وأشار عظيمي إلى نقص المؤسسات التربوية والإطارات آنذاك، ما دفع الرئيس بومدين إلى تحويل عدد من الثكنات إلى مدارس ومؤسسات جامعية، وتفويض الاستعانة بمعلمين من الدول الصديقة والحليفة.

استعرض المتحدث جانباً من إنجازات الإبراهيمي في القطاعات الوزارية التي تولاها، خاصة خلال إشرافه على وزارة الثقافة والإعلام، حيث عمل على ترسيخ استعمال الحرف العربي، ودعم نشر المجلات والدوريات، وإنشاء مدرسة للمسرح والاستعانة بأساتذة عرب وأجانب لتكوين الإطارات والفنانين الجزائريين.

من جهته، ركز البروفيسور نوفل الميلي الإبراهيمي على الآثار الفكرية والثقافية التي تركها أحمد طالب الإبراهيمي، مفضلاً تناول شخصيته من زاوية الكاتب والمؤلف، وما أنجزه من أعمال توثق تجربته ومساره النضالي والفكري ورحلته كرجل دولة. وتوقف نوفل الميلي، نجل الدكتور محمد الميلي، عند مذكرات الإبراهيمي، مشيراً إلى أنه عمل قبل وفاته على نقل تجربته للأجيال من خلال تدوين محطات من مساره الممتد لعقود، مما يجعل هذه الكتابات مصدراً مهماً لفهم جوانب من تاريخ الجزائر السياسي والثقافي.

استعرض المتحدث بعض ما تضمنه كتاب «مذكرات جزائري»، الذي توقف عند سنة 1954، وتناول فيه الإبراهيمي رحلته إلى الحج برفقة والده، ومحطات من عودته وتنقلاته، قبل توجهه إلى باريس لمواصلة دراسته الطبية، حيث صادفت إقامته اندلاع الثورة التحريرية في أول نوفمبر 1954. كما أشار إلى ما تضمنته المذكرات من حديث عن المسرح والكتاب الذين تعرف عليهم الإبراهيمي، ورسائل كتبها خلال فترة سجنه التي امتدت نحو أربع سنوات في المعتقلات الفرنسية.

اعتبر نوفل الميلي أن من النادر اجتماع كل هذه الأبعاد الثقافية والفكرية والنضالية في شخصية واحدة، واصفاً الإبراهيمي بـ«الذاكرة المتنقلة بين الأجيال»، التي ينبغي الاستفادة من تجربتها وما تحمله من شهادات وقراءات عن مراحل مهمة من تاريخ البلاد.

تطرق المتحدث كذلك إلى المسار السياسي للإبراهيمي خلال تسعينيات القرن الماضي، ومشاركته في الحياة السياسية وترشحه للانتخابات الرئاسية، قبل مقاطعته السباق على خلفية ما اعتبره مؤشرات على عدم نزاهته. كما تناول تأسيسه حركة الوفاء، في محاولة لمواصلة المشاركة في الحياة السياسية بعد تلك المرحلة، غير أن الحزب لم يحصل على الاعتماد.

أكد نوفل الميلي أن مذكرات الإبراهيمي اتسمت بالنزاهة العلمية والابتعاد عن تمجيد الذات أو الأشخاص، مشيراً إلى خلوها من أي نزعة لاستعراض الإنجازات الشخصية. كما تحدث عن مسعاه لتأسيس مؤسسة تحمل اسم والده، العلامة الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، وهي المبادرة التي لم تر النور إلى اليوم، معرباً عن أمله في تجسيدها مستقبلاً.

اختتمت الندوة بمداخلة الإعلامي والباحث التونسي كمال بن يونس، ضيف الجزائر، الذي ركز على القواسم المشتركة في مسار النضال السياسي بين الجزائر وتونس، مؤكداً عمق الروابط التاريخية التي جمعت الشعبين، ومشداً على أن العلاقة بينهما لا تقوم على مجرد التضامن المتبادل، بل على وحدة المسار النضالي والتاريخي. وأشار بن يونس إلى اهتمام الصحافة التونسية بالثورة الجزائرية، مبيناً أنها كانت تخصص صفحات كاملة لتناول أخبار الكفاح، مستحضراً الدور الذي اضطلعت به تونس في احتضان مؤسسات الثورة التحريرية، وما وفرته من فضاء للعمل السياسي والتنظيمي والدبلوماسي للثوار الجزائريين. وأشار إلى أن مقر القنصلية العامة الجزائرية في تونس كان يحتضن سابقاً مقر وزارة التسليح والاتصالات العامة («المالغ»)، التي قادها الراحل عبد الحفيظ بوصوف، أحد أبرز قادة الثورة ومؤسس جهاز المخابرات الجزائرية. ونوه بالجهود التي بذلها القنصل العام الجزائري نصر الدين لعرابة في جمع عدد من الصور والوثائق التاريخية المتعلقة بالحكومة المؤقتة ووزارة التسليح، بما جعل المقر أشبه بفضاء متحفي يستحضر الذاكرة المشتركة.

كشف بن يونس، في ختام مداخلته، عن إصداره لمؤلفه الجديد “تونس والجزائر وليبيا -من الإصلاح الى المقاومة وبناء الدولة-“، الذي يتناول التفاعل الثقافي والفكري بين أحمد طالب الإبراهيمي ورواد حركة النهضة والإصلاح في القرن التاسع عشر، وما يجمع هذه التجارب من اهتمام بقضايا الإصلاح الديني والفكري.

سلطت الندوة، من خلال تنوع المداخلات والشهادات، الضوء على جوانب متعددة من شخصية أحمد طالب الإبراهيمي، الذي جمع بين العمل الطبي والمسؤولية السياسية والنشاط الدبلوماسي والإنتاج الفكري، كما أعادت التذكير بأهمية توثيق تجارب الشخصيات التي عايشت مراحل مفصلية من تاريخ الجزائر وأسهمت في صياغة خياراتها ومؤسساتها بعد الاستقلال.

شارك الخبر: