الجزائر
ثقافة

معرض الكتاب بالجزائر يستقطب 6.2 مليون زائر: هل يعكس الإقبال مستوى القراءة الفعلي؟

الشروق أونلاين8 نوفمبر 2026 في 04:21 م0 مشاهدة
معرض الكتاب بالجزائر يستقطب 6.2 مليون زائر: هل يعكس الإقبال مستوى القراءة الفعلي؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "6.2 مليون زائر لــ”سيلا 2026″… هل يقرأ الجزائريون فعلاً ؟" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 8 نوفمبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مرة أخرى، يثير معرض الجزائر الدولي للكتاب في نسخته الـ29 جدلاً واسعاً بين النخب والإعلام حول العلاقة بين أعداد الزوار وطبيعة القراء، وبين معدلات القراءة الفعلية في الجزائر. يطرح المعرض سؤالاً جوهرياً: هل يعكس هذا الإقبال الكبير مستوى المقروئية الحقيقي؟ وبينما يعد هذا التقييم ضرورياً، لا ينبغي أن يغفل الجانب المشرق والتفاؤل بعلاقة الجزائريين بالكتاب في عصر تهيمن عليه التكنولوجيا الرقمية والمحتوى السطحي.

من المفارقات أن البعض يتسرع في اتهام رواد المعرض بالبحث عن استعراض ثقافي أو متنفس، دون الاستناد إلى أدوات تحليلية إحصائية موضوعية. يجب التذكير بأن معرض الجزائر يعد من أهم الفعاليات الثقافية عربياً وعالمياً، من حيث عدد الزوار والناشرين والمشاركات الفكرية وحجم المبيعات. فقد حقق في نسخته الأخيرة لعام 2026 رقماً قياسياً جديداً بـ6.2 مليون زائر، وفقاً لتصريح محافظ المعرض محمد إقرب. هذا الرقم مؤشر هام ومكسب أساسي يجب البناء عليه والتخطيط المستقبلي في ضوئه من قبل المؤسسات الثقافية والتعليمية وهيئات التنشئة، بهدف الوصول إلى 6 ملايين قارئ فعلي، حيث أن الشعب الجزائري يُقبل على الكتاب ويأخذه إلى بيته وأبنائه، وتأتي الأدوار الأخرى لتفعيل هذا السلوك واستثماره.

هناك إجماع على ضعف معدلات القراءة، ليس فقط في الجزائر، بل على المستوى العربي والقاري بشكل عام. وقد تفاقم الوضع في السنوات الأخيرة بسبب هيمنة وسائل الاتصال الحديثة وتأثير الصوت والصورة على الاهتمام البشري، مما أدى إلى تسطيح الوعي لدى الأفراد. إلا أن "الإقبال الملاييني" على معرض الكتاب في الجزائر يثبت أن البيئة الاجتماعية والثقافية خصبة وقابلة للاستثمار في سبيل ترقية سلوك المطالعة بين كافة الأوساط، خاصة من خلال رعاية الناشئة في مراحل التعليم العام وطلبة الجامعات، فهم عماد المجتمعات وأكثر المتأثرين حالياً بعولمة الاتصال وتقدم أدواته التقنية.

الأمر ليس بسيطاً، فالانحدار في القراءة وصل إلى درجة تستدعي ثورة ثقافية وتعليمية وإعلامية وتربوية وأسرية وجمعوية لتصحيح الأذواق والتفكير، وإعادة توجيه بوصلة المجتمع نحو الإنتاج العقلي والعلمي والفكري. فالأمة التي لا تقرأ تزول حضارياً. إن ترديد الكلام التحذيري في المناسبات الثقافية لا يكفي للتحسيس بخطورة الوضع الثقافي، بل نحن بحاجة ماسة إلى برامج عمل واقعية وقابلة للقياس والتقييم، تنفذها كل المؤسسات المعنية بالفعل الثقافي والتعليمي والتوعوي. تبدأ هذه البرامج من البيت والمدرسة والمسجد والجمعية والمكتبات العمومية ودور الثقافة والشباب، عبر آليات مبتكرة وجذابة تستجيب لرهانات التحولات والميول وتراعي تطور الوسائل.

من غير المنطقي أن تتضاءل "القراءة العامة" في مجتمع يفوق تعداد تلامذته وطلابه 14 مليون مواطن، بالإضافة إلى ملايين المتعلمين وخريجي الجامعات. لقد أصبح معرض الجزائر الدولي القبلة الأولى عربياً، بعد مصر، للناشرين العرب والأجانب. ومن واجب الدولة والمجتمع الاستثمار المعرفي والتنموي في هذا الرأسمال البشري الهائل، ليكون رافداً فاعلاً في البناء الوطني، من خلال ضمان الأمن الثقافي والفكري والديني، وتحصينه بالوعي الأصيل والتشبع بروح الانتماء الحضاري في مواجهة غزو العولمة والمذاهب الهدامة.

القراءة وسيلة لتحصيل المعرفة والثقافة والوعي، بهدف المشاركة الفاعلة في قيادة التغيير الاجتماعي وإصلاح الأوضاع. أما حين تتحول القراءة إلى غاية في ذاتها، للانعزال في عوالم الخيال بهدف التسلية أو الهروب من الواقع، فإنها تفقد جدواها وتصبح مجرد مخدر لأفراد عاجزين عن صناعة الحياة، يدفعهم اليأس إلى العيش الخيالي، غير مبالين بواجبهم تجاه الصالح العام.

اكتساب المعرفة يضع أهله أمام مسؤوليات أخلاقية وتاريخية في حمل الهم العام، عوض السعي الأناني للمصلحة الشخصية. فالقيادة والإصلاح في المجتمعات تقع على عاتق النخب المتعلمة والمثقفة، ما يوجب عليها الالتزام بالانخراط الميداني في قضاياها العامة. أما حين تتحول الكتابة إلى مطية مادية رخيصة تمنع أصحابها من قول الحق ومناصرة المستضعفين، ويميلون إلى مداراة الواقع طمعاً في الجاه والمال، فإنهم يصبحون عبئاً على الأمة في طريق نهضتها.

شارك الخبر: