من لهب الحرائق المعاصرة إلى ذاكرة جبال الشقفة العريقة: استدعاء لأمجاد الماضي ووجع الحاضر


هذا الخبر بعنوان "من لهب الحرائق إلى ذاكرة جبال الشقفة" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 سبتمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في أواخر شهر أوت من عام 2026، حين اتسعت رقعة الحرائق لتُمثل كارثة حقيقية امتدت من بجاية غربا حتى الطارف شرقا، تابع الكاتب الأحداث بوجعٍ عميق يعتصره، متخطياً مشاعر التفرج العادي. ومع تصاعد الدخان الكثيف ليغطي سماء الساحل، توجهت مخيلته مباشرة نحو بلدية الشقفة بولاية جيجل، تلك البقعة العزيزة التي شكلت جزءا لا يتجزأ من وجدانه وذاكرته بعد أن قضى فيها سنة من عمره أستاذا لمادة الفيزياء والكيمياء.
كانت الثانوية التي عمل بها قد أقيمت في منتصف الثمانينيات على أنقاض ثكنة استعمارية فرنسية قديمة، حيث أُقيم في شقة قائد الثكنة ذاتها. وهناك، في تلك الحجرات التي أُديرت منها خطط العدو سابقاً، صار الكاتب يُعدّ دروسه ويشرح لطلابه في الفترة الصباحية قوانين الكون والطاقة والمادة والكهرباء والكيمياء، زارعا في نفوسهم حب الوطن والتضحيات الجسيمة التي قدمها الآباء والأجداد.
وفي تلك الأيام، توطدت علاقته بصديقه المرحوم بوغدة الصدّيق، ابن قرية أولاد زكري الواقعة في أعالي جبال الشقفة، والذي كان يُدرّس المادة ذاتها. كان الصديقان ينهيان دوامهما الصباحي ليجولا في الوديان والقمم، فطافا في برج الطهر، واتجها نحو أولاد عسكر والسبت، وصولا إلى قمة جبل سدات، أعلى قمم المنطقة، متمتعين بالطبيعة الساحرة ومستمعين لقصص المجاهدي وأبنائهم عن بطولات الأبطال.
ومن أبرز ما تعرفا عليه هناك، سيرة الشهيد البطل المختار بن الطاهر دخلي، الملقب بـ"بركة"، الذي خطط وقاد الهجوم بجرأة على مركز العدو في سوق الشقفة، قبل أن يُستشهد في وادي الزناتي ببرج الطهر ولاية جيجل. وظلت ذاكرة المكان تحتفظ بصدى خطواته وبطولاته.
وحين اندلعت الحرائق الأخيرة لتتسلق ألسنة اللهب سفوح جبل سدات وأعالي برج الطهر ومناطق غبالة وأولاد زكري والجمعة بني حبيبي والشحنة، مستهدفة تلك الغابات والوديان التي سُقيت بدماء الأحرار، شعر الكاتب وكأن النار قد مسّت قلبه قبل الأشجار. ورغم هول الخراب والرماد، يبقى اليقين بأن الشجر قد يحترق لكن الجذور ستبقى وتنبت من جديد، لتزيد الجزائريين اتحادا وتلاحما في مواجهة المحن.
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات