عندما تتصادم النوايا التنظيمية في التطهير السياسي مع الحقوق الدستورية: تحديات الانتخابات والتمثيل الشعبي


هذا الخبر بعنوان "عندما تتصادم النوايا التنظيمية في التطهير السياسي مع الحقوق الدستورية!" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 24 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُشكل الاستحقاقات الانتخابية دائماً نقطة محورية في العلاقة بين السلطة التنفيذية والطبقة السياسية، حيث تُثار قضايا السيادة الشعبية، ونزاهة العملية الانتخابية، ومشروعية التمثيل. وتتركز الإشكالية الراهنة حول المرحلة التي تسبق الانتخابات، وهي مرحلة تدقيق ملفات الترشح. فبين شعار أخلقة العمل السياسي ومكافحة الفساد المالي من جهة، وبين مبدأ قرينة البراءة وضمان حق الترشح والتعددية الحزبية من جهة أخرى، تواجه الممارسة السياسية والقانونية تحدياً حقيقياً يمس جوهر العملية الديمقراطية.
لا شك في أهمية حماية المجالس المنتخبة، سواء على المستوى الوطني أو المحلي، من تغلغل النفوذ المشبوه. إلا أن الشكوك تثار عندما تُطبق معايير فضفاضة وتدابير إدارية تقديرية في عملية التصفية هذه. ففي غياب تعريفات واضحة لمفاهيم مثل "الأوساط المشبوهة" أو "الإخلال بأخلاقيات العمل السياسي"، يصبح حرمان المواطن من حقه الدستوري في الترشح معتمداً على تقدير السلطة الإدارية بدلاً من النص القانوني الصريح.
يُعد مبدأ "المشتبه به بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي" ركيزة أساسية في الفقه الدستوري. وبالتالي، فإن إبعاد أي مواطن عن حق الترشح بقرارات إدارية غير مبررة أو مبنية على مجرد شبهات يُعد خرقاً واضحاً للتوازن القانوني، ويؤثر سلباً على النخب والكفاءات الشابة الراغبة في خدمة الصالح العام.
لكن التحليل المعمق لهذه الظاهرة يكشف أن العملية الانتخابية ككل هي نتيجة للمسار السياسي العام، الذي يبدأ من دور الأحزاب ومدى فعاليتها ومصداقيتها. فالصندوق الانتخابي يعكس ما تزرعه التنظيمات السياسية. لذا، فإن معالجة الاختلالات الانتخابية تتطلب العودة إلى الأصل، وهو قدرة الأحزاب على تطهير صفوفها داخلياً من الفساد والتخلي عن ثقافة توزيع الامتيازات غير المستحقة والمناصب الريعية التي أضرت بالعمل السياسي وفقدت الشارع ثقته.
تتجاوز أزمة المشهد السياسي مسألة التطهير في إعداد القوائم لتصل إلى انحسار الأدوار الجوهرية للأحزاب في التكوين السياسي المؤطر، وتراجع وظيفتها الأساسية في تجنيد الطاقات وترسيخ ثقافة النضال الميداني والخدمة العمومية والمجتمعية. وفي ظل هذا الضعف، تم الاستعاضة عن التجنيد الحزبي المنظم بأدوات الإعلام والتوجيه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهو تحول ذو حدين؛ فمنصات التأثير الافتراضي متداخلة وفوضوية، وبعضها مسموم وموجه لتضليل الوعي العام، مما يجعل البديل الرقمي عاجزاً عن بناء وعي سياسي مسؤول أو حماية التماسك المجتمعي.
وتتحمل السلطة جزءاً من المسؤولية في هذا التراجع عبر تشجيع كتل المرشحين الأحرار بدلاً من التنظيمات الحزبية، مما يؤدي عملياً إلى تفكيك الفعل السياسي المؤطر. وتُعد القضايا المتعلقة بشراء الأصوات عشية كل تجديد لأعضاء مجلس الأمة أمراً لافتاً ويتطلب معالجة عاجلة.
يكمن الحل الجذري للخروج من هذا المأزق في فهم السلطة العمومية للدور الوظيفي الحاسم للأحزاب والمنظومة الحزبية في التجنيد والوساطة. فالبناء الديمقراطي المستقر يرتكز على إدراك أن قوة المنظومة الحزبية وتماسكها جزء لا يتجزأ من قوة الدولة وهيبتها، وليست خصماً منها. وتتأسس المعادلة الناجحة على تجاوز منطق الحلول الإدارية التقديرية نحو تفعيل آليات الرقابة المالية والقانونية أثناء الحملات الانتخابية وعلى العمل السياسي والعلاقات داخل الأروقة السياسية، وبذلك تُحاصر مسببات الإقصاء في الأحكام القضائية الباتة.
بهذه الطريقة، يمكن أخلقة وتطهير الحياة السياسية، وبناء مؤسسات منتخبة ذات مصداقية، وحماية الاستحقاقات الوطنية دون المساس بكرامة المرشحين وقرينة براءتهم، ودون إضعاف الإرادة الشعبية التي هي أساس كل مشروعية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة