الفيتو الروسي يغير مسار قضية الصحراء الغربية: ما الأبعاد الجيوسياسية؟


هذا الخبر بعنوان "فيتو روسيا في قضية الصحراء الغربية: السياق والأبعاد والتغيرات!" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 31 أكتوبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما بنى المغرب آماله، على مدى أكثر من ثلاثين عامًا، على دفع الأمم المتحدة لتشريع احتلاله للصحراء الغربية، معتقدًا أن دعم واشنطن وفرنسا في مجلس الأمن كافٍ لكسب الرهان. وقد نجح بالفعل في كسب بعض النقاط في مجلس الأمن بفضل الغطاء الأمريكي والفرنسي، حيث عطل تنظيم الاستفتاء، ونزع مصطلح الاستفتاء من القرارات الأممية، وجمد الملف في الأمم المتحدة، وأدخل مصطلح "الحل السياسي" و"الحكم الذاتي" إلى قرارات مجلس الأمن. كان المغرب يأمل أن تسمح له القرارات القادمة بإخراج القضية من الجمعية العامة ولجنة تصفية الاستعمار، ليختتم "انتصاراته" باعتماد مجلس الأمن قرارًا يفرض الحكم الذاتي كحل وحيد.
لكن يبدو أن حسابات المغرب لم تأخذ في الاعتبار التغيرات الهادئة في محيطه الجغرافي، ولا المفاجآت، ولا قوة أصدقاء الشعب الصحراوي. كان المغرب يخطط لطي الملف في الأمم المتحدة بحلول عام 2027، وكان ينتظر فقط المصادقة على المسودة الأمريكية لتكريس الحكم الذاتي كحل وحيد، ثم يخرج القضية من الأمم المتحدة معلنًا "انتصاره". لكن هذه الاستراتيجية تبددت في دقائق بعد إسقاط مشروع القرار الأمريكي الداعم للمغرب بالفيتو الروسي.
للعودة إلى الفيتو الروسي، تجدر الإشارة إلى أنه عند غزو المغرب للصحراء الغربية عام 1975، لم يتحرك الاتحاد السوفيتي السابق، رغم قوته في ذروة الحرب الباردة، ولم يرفع الفيتو، تاركًا الأمور تسير وفقًا لرغبات الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا. منذ عام 1991، أمسكت الولايات المتحدة بالملف الصحراوي من يد الأمم المتحدة، وأصبحت هي "حاملة القلم" ومُعدّة القرارات. لم تتدخل روسيا، خليفة الاتحاد السوفيتي، إلا بشكل محدود أو باقتراح تغييرات بسيطة لا تمس الجوهر. لكن استخدامها للفيتو هذه المرة يحمل أبعادًا جيوسياسية تتجاوز كونه أمرًا بسيطًا أو ظرفيًا.
هذه هي المرة الأولى التي يرفع فيها بلد دائم العضوية في مجلس الأمن الفيتو في قضية الصحراء الغربية وفي وجه الولايات المتحدة، مما يستدعي قراءة معمقة لأبعاده المستقبلية في المنطقة وعلاقته بالجيوبوليتيك. هناك عدة دوافع محتملة وراء الخطوة الروسية. أولاً، ترى روسيا والصين والجزائر أن القانون الدولي الحالي، رغم عيوبه، هو الكفيل بكبح جماح العالم عن التصعيد والفوضى. انطلاقًا من هذه القناعة، اعتبرت روسيا، بدعم من الصين والجزائر، أن قضية تقرير مصير الشعب الصحراوي هي مقياس لمأمورية الأمم المتحدة، وإذا تم تجاوزها، يمكن تجاوز ما تبقى من القانون الدولي بسهولة.
ثانيًا، تضع روسيا عينها منذ زمن على الساحل الإفريقي، وزاد اهتمامها به بعد انسحاب فرنسا منه، واتخذت خطوات جريئة، بما في ذلك التدخل العسكري في مالي وشمال النيجر. نظرت روسيا إلى تكريس الحكم الذاتي في الصحراء الغربية، ومن ثم الاحتلال كأمر واقع "شرعي" بقرار من مجلس الأمن، على أنه يشكل خطرًا حقيقيًا على منطقة الساحل وطموحاتها هناك، وأنه لن يتوقف عند الصحراء الغربية، بل ستكون الولايات المتحدة والكيان الصهيوني رأس الحربة فيه. ولا تقتصر هذه النظرة على روسيا، فالجزائر، القوة الصاعدة في الجوار، ترى أيضًا أن منطقة الساحل ستتحول إلى برميل بارود وأرض ألغام لو سيطر المغرب على الصحراء الغربية بقرار من الأمم المتحدة.
الفيتو الروسي، المتزامن مع مشروع قرار قدمته روسيا أيضًا، أوقف التغول الأمريكي على القانون الدولي وانتزع، ولو مؤقتًا، "القلم" من بين أصابع واشنطن التي استحوذت عليه لعقود، وأفشل استراتيجية مغربية عمرها ثلاثون عامًا. والأكثر من ذلك، أحدث مفاجأة غير متوقعة. فبينما كان الجميع ينتظر الموافقة على القرار الأمريكي "المعدل"، وامتناع روسيا عن التصويت، ورفض البوليساريو ودخولها في مواجهة مع مجلس الأمن، حدث العكس: أجهض الفيتو الروسي القرار، وبدل أن تنسحب البوليساريو من العملية السلمية، يبدو أن المغرب هو الذي أعلن انسحابه، وسيدخل في مواجهة مع مجلس الأمن.
من جهة أخرى، يمكن قراءة هذا الفيتو على أنه تغيير في الاستراتيجية الروسية في منطقة شمال غرب إفريقيا، حيث دخلت بقوة معتمدة على القانون الدولي ومؤيدة للموقف الجزائري الداعم لتقرير المصير والقانون الدولي. يمكن القول أنه بينما كان يُفترض أن تغير الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجيتها في المنطقة وفي قضية الصحراء الغربية بالخصوص، وتطبق القانون الدولي وتقيم علاقات مربحة مع الدول الوازنة مثل الجزائر، سبقتها روسيا. كانت الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الوحيدة القادرة على حل قضية الصحراء الغربية بمكالمة واحدة مع المغرب، ولو فعلت لربحت الكثير، لكن يبدو أن الفرصة قد تلاشت.
إذا نظرنا أبعد من حادثة الفيتو الروسي ضد مشروع القرار الأمريكي، لا يمكن استبعاد حدوث تطورات كبيرة في المنطقة. في حالة إصرار المغرب على الانسحاب من العملية السلمية وطرد بعثة المينورسو، فهذا سيعني التصعيد في المنطقة والعودة إلى أجواء عام 1975، وستتغير أشياء كثيرة. مغادرة البعثة الأممية للمنطقة تعني السخرية من مجهودات مجلس الأمن والمجتمع الدولي على مدى ثلاثين عامًا، وتعني تغيرًا خطيرًا في منطقة هشة ذات رمال متحركة وعواصف لا تهدأ. هل سيقبل العالم بهذا؟ هل ستجد البوليساريو نفسها مضطرة للتخلي عن دورها في حراسة المنطقة من الأخطار القادمة من الجنوب إذا غادرت البعثة الأممية؟ هل سنشهد تغيرًا في الصراع ودخول لاعبين جدد؟ هل سيضطر مجلس الأمن إلى معاكسة الولايات المتحدة والعودة إلى الشرعية الدولية في صورتها الأولى وهي الاستفتاء؟ هذه الأسئلة ستكشف عنها الأيام القادمة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة