الإعلامي ياسين نذير عبوبو يوثق ذاكرة الثورة بالأوراس في كتاب جديد لحمايتها من الضياع


هذا الخبر بعنوان "“تدوين الشهادات لحماية الذاكرة الوطنية من الضياع”" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 1 نوفمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مؤلف توثيقي يستند إلى جهد ميداني واستقصائي طويل، أصدر الإعلامي ياسين نذير عبوبو كتابًا جديدًا عن دار “خيال”، يمثل ثمرة رحلة بحث امتدت 17 عامًا (من 2009 إلى 2026). هذا العمل ليس مجرد تجميع لمواد صحفية، بل هو محاولة لإنقاذ الذاكرة الشفوية وصون شهادات آخر الشهود والفاعلين في معقل الثورة التحريرية بمنطقة الأوراس، بولاية باتنة والمناطق المجاورة.
ينطلق الكاتب ياسين عبوبو في مقدمة كتابه “حدثوني عن الثورة بالأوراس”، الذي يقع في 257 صفحة، من رؤية تتجاوز الممارسة الصحفية التقليدية. لم يكتفِ بنقل الأنشطة ورصد الأحداث، بل جعل من الصحافة وسيلة للإصغاء إلى الإنسان وتوثيق الذاكرة الوطنية. وفي تصريح لـ”الشروق”، أكد عبوبو أن التواجد الميداني في جبال الأوراس ومداشرها، والتنقل بين قراها الممتدة من بسكرة وبريكة إلى عين التوتة وغسيرة، يفرض مسؤولية أخلاقية وتاريخية تجعل الصحافة أمانة لحفظ الذاكرة وصون الشهادة وإيصال صوت من عاشوا الأحداث إلى الأجيال التي لم تشهدها.
وأضاف عبوبو أنه لم يعدّ التحقيقات والحوارات التي أجراها منذ التحاقه بجريدة «النصر» عام 2009 مجرد مواد تنتهي بانتهاء صدور العدد، بل رآها محطات في رحلة قادته إلى التنقيب عن الوجوه المنسية والأماكن التي شهدت معارك حاسمة، ومحاولة إنقاذ الذاكرة الشفوية قبل أن تغيب أصوات أصحابها.
معالم ومقاومات شعبية
لم يقتصر العمل التوثيقي للزميل ياسين عبوبو على سنوات الثورة التحريرية (1954-1962)، بل غاص في جذور المقاومة الشعبية بالأوراس، متتبعًا أثر المعالم والانتفاضات التي مهدت لاندلاع الثورة. شمل ذلك منطقة فالماش سيدي مصمودي، معقل الثورة الشعبية بقيادة الشيخ الصادق بلحاج، ومقاومة 1916 المعروفة بثورة أولاد سلطان بعين التوتة وما جاورها، وجبل مستاوة بوادي الماء، أرض الثائر عمر أوموسى عقيني. كما توقف عند منعة ولجوء أحمد باي، موثقًا زاوية بن عباس، حيث يوجد ضريحا ولديه عقب سقوط قسنطينة. بالإضافة إلى ذلك، وثق معالم ثورية أخرى مثل ديار بن شايبة بإشمول، وديار بولقواس التي شهدت توزيع السلاح ليلة أول نوفمبر، وديار عبد الله بن مسعودة بقرية لقرين التي احتضنت الاجتماع التحضيري للثورة، ومستشفى النبكة الأمني المعقد تحت الأرض ببلدية بيطام، ومحتشد التعذيب “فيرمة ليكا”، ومحرقة غار أوشطوح بتاكسلانت.
شهادات نادرة
يتميز المؤلف بإيراد شهادات حية ونادرة عن أبرز رموز الثورة وقادتها، مثل قائد الأوراس مصطفى بن بولعيد، وعلي النمر، والحاج لخضر، وعزيل عبد القادر، وعبد العالي بن بعطوش. وأوضح عبوبو أنه حرص على عدم تقديم صورة نمطية أو خيالية للثورة، بل نقل جانبها الإنساني المعقد. كشف الكتاب عن الوجه الآخر للثورة، حيث الأبطال الذين عاشوا في الظل وحموا المجاهدين تحت ستار “العمالة” ظاهريًا، بينما كانوا في العمق خط الدفاع الأول عن الثوار. كما كشفت الشهادات عن آلام الوشاية والخيانة البشعة التي تسببت في سقطات مؤلمة كشهداء جبل بواري.
وعن المحرقة الكيميائية بغار أوشطوح، أشار إلى أن إعادة فتح ملفها وإيراد شهادة الباحث والمؤرخ الفرنسي كريستوف لافاي إلى جانب شهادات الناجين، يعد إدانة تاريخية وقانونية لفرنسا الاستعمارية باستعمال الأسلحة الكيميائية المحرمة ضد الجزائريين.
ومن أبرز الشهادات التي يتضمنها المؤلف شهادة المجاهد محمد بيوش، رفيق عاجل عجول، حول علاقة الأخير بالقائد الرمز مصطفى بن بولعيد. وشهادة المجاهد مسعود بن شورى، أحد مرافقي بن بولعيد والشاهد على لحظاته الأخيرة عند استشهاده. بالإضافة إلى شهادة المجاهد محمد بزيان حول حادثة الفرار التاريخية رفقة بن بولعيد من سجن الكدية بقسنطينة. وشهادة الفدائية أم هاني بوستة، التي توصف بـ”الشهيدة الحية” بعد نجاتها من محاولة ذبح على يد غلاة الاستعمار.
الوعاء الهوياتي
أفرد الكاتب ياسين عبوبو مساحة مهمة للبعد الثقافي والهوياتي، مؤكدًا أن الحفاظ على التاريخ يرتبط بالحفاظ على اللسان واللغة اللذين حُفظت بهما الأحداث ونُقلت عبر الأجيال. نقل روايات مجاهدات جليلات مثل الراحلتين حدة عبوبو وحدّة عثماني، وبوستة أم هاني، تطلب الإصغاء العميق إلى تعابيرهن باللغة الأمازيغية، باللهجة الشاوية، ثم ترجمتها بدقة إلى العربية، لصون المعاني التاريخية والإنسانية التي اختزنها اللسان الأمازيغي باعتباره وعاء للذاكرة التحريرية.
أبرز المؤلف أيضًا قصة استثنائية للمجاهدة “الزهرة الألمانية”، التي عاشت بتكوت منذ الحرب، واكتسبت اللغة الشاوية وتحدثت بها بطلاقة، وهي تجربة تعكس قدرة المحيط الاجتماعي الأوراسي على احتضان الوافدين والاندماج بهم.
رسالة جيل الاستقلال
يختتم الإعلامي ياسين عبوبو مؤلفه بربط الذاكرة التاريخية بمسؤولية الأجيال اللاحقة. أكد أنه ينتمي إلى جيل لم يعش أهوال الثورة ولم يحمل السلاح، لكنه ولد ليعيش في كنف الاستقلال. قال: “إن علاقتنا بالثورة ليست علاقة شاهد عيان، بل هي علاقة أمانة ووفاء. أردت بهذا المؤلف الصحفي التوثيقي أن أقدم رسالة من جيل الاستقلال بعين من لم يعش الأحداث ولكن بقلب يدرك التضحيات الجسام التي قُدمت ليحيا هذا الوطن حرا مستقلا”.
يشارك هذا الكتاب في الصالون الدولي للكتاب “سيلا 2026″، وقدم له الكاتب بمقولة ديدوش مراد الخالدة: “إذا ما استشهدنا فحافظوا على ذاكرتنا”. يضيف الكتاب مادة جديدة إلى رصيد التوثيق الصحفي للذاكرة الوطنية، من خلال جمع شهادات ميدانية وروايات شفوية ظلت متفرقة في صفحات الجرائد، وإعادة وضعها في سياق تاريخي يتيح للأجيال الجديدة التعرف على وجوه وأحداث ومحطات من تاريخ الثورة التحريرية في الأوراس، قبل أن تطويها ذاكرة الزمن ورحيل الشهود، لتكون مرجعًا محفوظًا للقراء والباحثين والإعلاميين.
سياسة
ثقافة
عاجل
ثقافة