آيزنكوت أم نتنياهو: مفاضلة بين خيارات سياسية متشابهة في جوهرها


هذا الخبر بعنوان "آيزنكوت أم نتنياهو؟" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 2 نوفمبر 2026.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشير تفضيل بعض التشكيلات العربية في القائمة العربية الموحدة والقائمة المشتركة، اللتين فازتا بمقاعد في انتخابات الكنيست الأخيرة، لغادي آيزنكوت لتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة خلفاً لنتنياهو، إلى مفاضلة بين خيارين متشابهين في جوهرهما، حيث يُنظر إلى الأمر على أنه "بعض الشر أهون من بعض". في الواقع، لا يوجد اختلاف جوهري بين سياسة آيزنكوت وسياسة نتنياهو؛ فكلاهما متمسك بالطابع اليهودي لما يسمى "دولة إسرائيل"، وكلاهما يتخذ موقفاً متشدداً تجاه المقاومة والفلسطينيين. يرى المعارضون أن نتنياهو بالغ في شن الحروب المكلفة والمتكلفة أحياناً، وأساء استخدام السلطة، وجعل الدولة اليهودية تابعة للإملاءات الأمريكية. هذه السياسة العنصرية، بحسب المعارضين، ليست سوى الجزء الظاهر من سياسة يهودية عامة لا تؤمن بالوجود العربي في فلسطين ولا بشيء اسمه الدولة الفلسطينية.
رجح العديد من المتابعين للشأن الإسرائيلي هزيمة غير مسبوقة للائتلاف اليهودي الحاكم بقيادة نتنياهو في انتخابات الكنيست، بناءً على حالة الغضب الشعبي المتصاعد ضده وضد سياسته في إدارة الدولة. إلا أن نتائج الانتخابات أظهرت بوضوح أن نتنياهو ليس سوى واجهة لعنصرية يهودية متنامية ومتغلغلة في المجتمع ضد كل ما هو عربي وفلسطيني. تُظهر الاتصالات السرية والمعلنة التي يجريها آيزنكوت لتشكيل الحكومة القادمة وقطع الطريق أمام ولاية جديدة لنتنياهو، تمسكه بسلم أولويات يعطي الأولوية للأحزاب اليهودية ويرجئ اللجوء إلى الأحزاب العربية إلى حين استنفاد كل المحاولات مع المعارضة اليهودية. إذا تلقى آيزنكوت استجابة من الأحزاب اليهودية، فسيتجاهل الأحزاب العربية، خاصة أنه صرح في مناسبات عديدة بعدم ميله أو إيمانه بأي تحالف معها. أما إذا حدث العكس، فسيكون ذلك في إطار حالة الاضطرار السياسي، لأنه لا يفضل عودة ائتلاف نتنياهو ولا يرضى بمواجهة الإقصاء السياسي في حال فشله في تشكيل الحكومة وتمكن نتنياهو من العودة.
خلاف آيزنكوت مع نتنياهو هو خلاف حول إدارة الشأن السياسي والعسكري، وليس حول المبادئ العامة للدولة اليهودية. كلاهما يؤمن بفكرة الدولة اليهودية الفاضلة التي وُجدت لتبقى، بينما يعيش الآخرون في كنفها بلا إرادة أو قوة، أو يواجهون الإبعاد والاستبداد. سبب الخلاف هو رغبة كل منهما في الإمساك بزمام السلطة، وهو ما يصنف في علم الاجتماع السياسي كصراع على السلطة. يُذكر أن آيزنكوت كان الذراع الأيمن لنتنياهو حينما رشحه لمنصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وهو المنصب الذي تولاه في 16 فبراير 2025 خلفاً لبيني غانتس. لو كان لدى نتنياهو أدنى شك في ملاءمة آيزنكوت، لما أبقاه كل هذه المدة قبل القطيعة التي يُعتقد أن سببها الأقوى هو الصراع على السلطة.
جرائم في جبين آيزنكوت: بدأ آيزنكوت مسيرته العسكرية مبكراً، حيث عمل قائداً لفرقة في العدوان الإسرائيلي على لبنان في الثمانينيات، ثم ضابط شعبة عمليات، وقائداً للمنطقة الشمالية. في عام 2003، خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية، لعب دوراً كبيراً في إجهاضها واغتيال قادة المقاومة، وارتكب جرائم بشعة بحق الفلسطينيين خلال عمله قائداً لفرقة الضفة الغربية. تُعد ترقياته المتتالية اعترافاً بالجميل الذي أسداه لدولة إسرائيل، حيث يُكافأ من يقتل أكثر بالترقية والمناصب العليا.
يحمل لواءا "إفرايم" و"غولاني" ذكريات حزينة للشعب الفلسطيني. لواء "إفرايم" (الفرقة الإقليمية 421) مسؤول عن العمليات العسكرية والاقتحامات في شمال ووسط الضفة الغربية، وقد وثقت منظمات حقوقية استهدافه للأطفال الفلسطينيين وعمليات قتلهم، بالإضافة إلى مسؤوليته عن التهجير القسري وتجريف المنازل، وتشديد الحصار الاقتصادي، والاقتحامات المنهجية والاعتقالات التعسفية.
لا يقل لواء "غولاني"، أحد أبرز ألوية النخبة، إجراماً؛ فهو مسؤول عن مجازر فظيعة في غزة، بما في ذلك مجزرة حي الشجاعية في ديسمبر 2023 و2026، وعن العدوان على لبنان وسلسلة الإعدامات الميدانية في الضفة الغربية وقطاع غزة.
بعد كل هذه الجرائم التي ارتكبها آيزنكوت خلال عمله في هذين اللواءين، يبقى السؤال: ما الذي يحفز الأحزاب العربية للتحالف معه؟ إذا كان الهدف هو إسقاط حكومة نتنياهو، فإن البديل المتمثل في آيزنكوت هو اختيار "السيئ لخلافة الأسوأ". لا توجد ضمانات أو ثقة في القيادات الإسرائيلية، فمن غير المستبعد أن يغير آيزنكوت منهجه السياسي بعد انتخابه رئيساً للحكومة ويمارس سياسة أكثر انغلاقاً وتعصباً ودموية من سلفه نتنياهو، مما قد يدفع الأحزاب العربية للاعتراف بخطأ تقديرها.
آيزنكوت يهودي حتى النخاع: على الرغم من أن آيزنكوت ينحدر من عائلة يهودية مغربية، إلا أنه لا ينبغي للأحزاب العربية المبالغة في التفاؤل بحسن النية المطلقة تجاهه. آيزنكوت لا يخفي ولاءه للصهيونية، والفكر الصهيوني لا يشجع على الاطمئنان. لقد أبدى استعداده للتحالف مع الأحزاب العربية بشروط أربعة تخدم أجندته السياسية، منها: الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية وليبرالية قائمة على المساواة، والالتزام بقيم وثيقة الاستقلال، وفرض الخدمة العسكرية أو المدنية الإلزامية على جميع المواطنين، والإقرار بضرورة القضاء التام على القدرات العسكرية لحركة حماس واعتبارها منظمة إرهابية. التحالف مقابل الاعتراف بوثيقة الاستقلال المزعومة التي تهمش الفلسطينيين، أو مقابل شيطنة المقاومة، هو تحالف لا مرحب به ولا جدوى منه.
لا يملك العرب المقيمون في إسرائيل خياراً سوى التقيد بالصبغة اليهودية والنظام السياسي العلماني الليبرالي للكيان، ولكن لديهم خيار أوسع في فرض وجودهم كتيار سياسي عربي لا يتحالف ضد شعبه ولا يقايض على قيمه. التفريط في ذلك تغليباً للمصلحة السياسية يعني فقدان الحاضنة العربية، وتداعي الأحزاب اليمينية، وربما تلاشي التيار من الساحة السياسية.
آيزنكوت وعقيدة الضاحية: يُعرف آيزنكوت بأنه مهندس ما يسمى "عقيدة الضاحية"، القائمة على تدمير البنية التحتية بطريقة عشوائية تعتبر كل سكان المدن قوى معادية لإسرائيل أو أذرعاً للمقاومة. هذه العقيدة هي شكل من أشكال العقاب الجماعي المخالف للقانون الدولي الإنساني. استمد اسمها من الضاحية الجنوبية في لبنان التي كانت هدفاً لعمليات قصف عشوائي.
آيزنكوت والتناغم مع واشنطن بشأن إيران: في حال انتخابه رئيساً للحكومة، هل يستمر التناغم بين إسرائيل وواشنطن في الملفات الحساسة، خاصة البرنامج النووي الإيراني؟ لا يبدو أن آيزنكوت قادر على وقف الحرب على إيران متجاوزاً رغبة دونالد ترامب، مما يعني تكرار سياسة نتنياهو. قد يحدث تناغم بين آيزنكوت وترامب بشأن الملف النووي، ولكن آيزنكوت لا يفضل سياسة إسقاط النظام الإيراني التي راهن عليها نتنياهو لعدم واقعيتها. تأمين الجبهة الداخلية في إسرائيل والحرص على تماسكها هو أهم ما يسعى آيزنكوت لتحقيقه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة