الجزائر
صحة

تبرع القرنية: بصيص أمل يعيد النور لمن فقدوا البصر في مجتمعاتنا

الشروق أونلاين6 نوفمبر 2026 في 03:10 م0 مشاهدة
تبرع القرنية: بصيص أمل يعيد النور لمن فقدوا البصر في مجتمعاتنا

تنويه

هذا الخبر بعنوان "ثقافة التبرع بـ “القرنيات”… أمل ينتظر أن يُولد في مجتمعاتنا" نشر أولاً على موقع الشروق أونلاين وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ 6 نوفمبر 2026.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في ظل تزايد الحاجة الماسة لعمليات زراعة القرنية في العديد من الدول العربية، يرتفع صوت أطباء العيون والمتخصصين للدعوة إلى ترسيخ ثقافة التبرع بالقرنيات، باعتبارها قضية صحية وإنسانية تستحق اهتمامًا مجتمعيًا أكبر، بعيدًا عن الصمت والتردد والمفاهيم الخاطئة المحيطة بالتبرع بالأعضاء والأنسجة بعد الوفاة.

صرح الدكتور الهادي محفوظي، رئيس الجمعية الجزائرية لأطباء العيون الخواص، بأن العطاء الإنساني يتجاوز القيمة المادية، وأن هناك عطاءً يمنح الآخرين فرصة جديدة لرؤية العالم، معتبرًا التبرع بالقرنية من أسمى صور هذا العطاء. هذا القرار النبيل، الذي يمكن أن يحول ظلام العمى إلى نور، ويعيد الأمل لمن فقدوا القدرة على الإبصار، يأتي من خلال نشر ثقافة التبرع بالأعضاء واستغلال منصات التواصل الاجتماعي لتبسيط فهمها في إطار ما ينص عليه الشرع والقانون، كما أكد أطباء من الجزائر ودول عربية شاركوا في مؤتمر طبي بالجزائر مؤخرًا.

تزايد الحاجة لعمليات زرع القرنية في ظل التطور التكنولوجي

في هذا السياق، أوضح الدكتور حسام زيادة، أستاذ طب وجراحة العيون بجامعة الأزهر ورئيس وحدة زراعة القرنية وتصحيح البصر، أن القرنية، وهي الطبقة الشفافة التي تغطي مقدمة العين وتسمح بمرور الضوء، قد تتعرض لأمراض وإصابات تفقدها شفافيتها، مما يؤثر مباشرة على قدرة الإنسان على الرؤية. وأشار إلى أن زراعة القرنية غالبًا ما تكون الخيار العلاجي الأساسي لاستعادة البصر أو تحسينه، وفقًا لطبيعة الإصابة والحالة الصحية للمريض.

ويرى الدكتور زيادة، بصفته مختصًا في جراحة القرنية بمصر، أن التحدي لا يكمن دائمًا في التطور الطبي أو توفر الكفاءات الجراحية، بل يمتد إلى محدودية القرنيات المتاحة للزراعة، وما ينتج عن ذلك من معاناة للمرضى المنتظرين. ومن هنا تبرز أهمية نشر ثقافة التبرع وتحويلها من مجرد فكرة تُناقش في الندوات الطبية إلى سلوك إنساني واعٍ تتبناه الأسر والأفراد والمؤسسات.

بين المعلومة الخاطئة والحقيقة الطبية

يُعد نقص الوعي بطبيعة وأبعاد التبرع بالقرنية الطبية والإنسانية، بالإضافة إلى بعض المعتقدات الاجتماعية والمخاوف النفسية المرتبطة بالتبرع بعد الوفاة، من أبرز العوائق أمام انتشاره في مصر والجزائر. وأوضح الدكتور حسام زيادة أن الكثيرين لا يدركون أن التبرع بالقرنية يختلف عن التبرع بأعضاء أخرى، وأنه يمكن أن يمنح شخصًا آخر فرصة لاستعادة الرؤية، وفقًا للضوابط الطبية والقانونية المعمول بها.

وأضاف الدكتور حسام زيادة أن الأزهر الشريف قد أفتى في مسألة التبرع بالقرنية من منظور فقهي، مما فتح الباب لنقاش أوسع حول ثقافة التبرع بالأعضاء ومدى حضورها في الوعي المجتمعي. وأشار إلى أن تناول الأزهر لهذه المسألة لم يقتصر على بيان الحكم الشرعي، بل تجاوز ذلك لطرح سؤال جوهري حول كيفية تحويل الموقف الديني الواضح، بشروطه وضوابطه، إلى وعي مجتمعي يُترجم إلى سلوك إنساني مسؤول.

ووفقًا لفتوى الأزهر، فإن التبرع بالقرنية لا ينتهك حرمة جسد المتوفى أو ينتقص من كرامته، بل يرتبط، في إطار الضوابط الشرعية والطبية والقانونية، بمنح إنسان آخر فرصة لاستعادة البصر. وهنا تظهر أهمية التمييز بين التبرع المشروع وفق شروطه، وبين الممارسات غير القانونية أو الاتجار بالأعضاء، وهي أمور لا يجوز الخلط بينها.

زرع القرنية في الجزائر… بين تقدم الطب وثقافة التبرع الغائبة

فيما يتعلق بالجزائر، أكد الدكتور الهادي محفوظي، على هامش المؤتمر العشرين للجمعية الجزائرية لأطباء العيون الخواص، أن التوعية الصحيحة حول التبرع بالقرنية كفيلة بتبديد المخاوف والإجابة عن التساؤلات المتعلقة باحترام كرامة المتوفى وسلامة الإجراءات الطبية. ودعا إلى إطلاق حملات توعوية مستمرة بمشاركة الجمعيات الطبية والمستشفيات ووسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والدينية، لتقديم معلومات علمية مبسطة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وفتح نقاش مجتمعي هادئ ومسؤول حول أهمية هذا العمل التضامني.

ويرى الدكتور محفوظي أن ترسيخ ثقافة التبرع بالقرنية يتطلب منظومة متكاملة تشمل تطوير آليات التبرع والاستئصال والحفظ والنقل، وتوفير الإمكانات اللازمة لبنوك العيون، ووضع أطر قانونية واضحة تضمن الشفافية واحترام إرادة المتبرع وحقوق أسرته، ولا يمكن أن يتحقق بجهود الأطباء وحدهم.

وكشف الدكتور الهادي محفوظي، المختص في طب العيون، أنه على الرغم من التطور الذي شهدته الجراحة الطبية في الجزائر، لا يزال التبرع بالقرنية يواجه تحديات تتجاوز الإمكانات التقنية، وتتمثل في اصطدامه بحاجز الوعي المجتمعي والتردد العائلي أمام فكرة التبرع بعد الوفاة. وأشار إلى أن بعض المعطيات الطبية تشير إلى وجود أكثر من 10 آلاف شخص ينتظرون زراعة القرنية في الجزائر، بينما لا تزال عمليات الزرع تعتمد في حالات عديدة على استيراد القرنيات من الخارج.

98 عملية زرع قرنية إلى غاية سبتمبر 2025

على الرغم من الخطوات التي حققتها الجزائر في هذا المجال، تكشف الأرقام حجم الفجوة؛ فقد سُجلت 98 عملية زرع قرنية فقط حتى سبتمبر 2025، وفقًا لحصيلة عُرضت أمام لجنة الصحة. وبهذا، فإن معركة زرع القرنية لم تعد طبية فقط، بل أصبحت معركة وعي وثقة وتنظيم. المطلوب ليس تطوير غرف العمليات فحسب، بل بناء ثقافة تجعل التبرع فعل تضامن إنساني، وتمنح المريض حقه في الأمل.

إن دعوة أطباء العيون العرب إلى نشر ثقافة التبرع بالقرنية هي في جوهرها دعوة إلى إعلاء قيمة التضامن الإنساني، وإدراك أن العلم وحده لا يكفي ما لم تسنده ثقافة مجتمعية تؤمن بأهمية إنقاذ حياة الآخرين وتحسين جودتها.

شارك الخبر: